مات أوسلو ولم تمت مصائبه بعد

سبت, 22/02/2020 - 10:35

الفعاليات والمسيرات الشعبية الفلسطينية الغاضبة، رغم أهميتها العظيمة لإبقاء القضية الفلسطينية حية، ورغم عظمتها القصوى للتعبير الجماهيري عن الرفض القاطع لصفقة القرن التصفوية، التي أعلنها ترامب ونتنياهو وبحضور عربي خليجي في البيت الأبيض في28 يناير2020 . وأذكر التاريخ على هذا النحو، حتى يبقى محفورا بذاكرتنا كغيره من التواريخ المؤلمة في حياتنا، كي لا ننساه أو تنساه الأجيال القادمة، من وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917 ونكبة مايو1948 ونكسة حزيران 1967، هذه المسيرات والفعاليات، كما قلت، رغم أهميتها القصوى، ورغم أنها تشكل الباروميتر للإجماع الشعبي على رفض المخطط الأمريكي الصهيوني الاستعماري، لكنها تظل محصورة في سياق ردات الفعل، وهي غير كافية لوحدها لمواجهة وإسقاط هذا المخطط، الذي وضعت فيه المنظومة الصهيونية في البيت الأبيض وحكومة الاحتلال عصارة تفكيرها.

صفقة ترامب، مخطط صهيوني من ألفه إلى يائه، وهي ليست خطة مستحدثة، بل قديمة قدم الاحتلال للضفة تقريبا، وهي تطبيق حرفي لمخطط اسرائيلي يعود إلى مطلع السبعينيات وترتكز بالأساس على خطة تتحدث عن حكم ذاتي للفلسطينيين في المراكز السكانية، وجاء اتفاق أوسلو المشؤوم في13 سبتمبر 1993 وبلّعونا الطعم، أو بلعناه، سواء بحسن نية أو سوئها أو لجهل، سيان. وبعبارة أخرى فإنها خطة ترمي لحشر الفلسطينيين في جزر بشرية متناثرة، تتواصل بالجسور والأنفاق، وعلى نحو 16% فقط من فلسطين التاريخية. وأشرف على كتابة النسخة الجديدة من الخطة التي تتماشى مع القرن الحادي والعشرين، وأخرجها ديفيد فريدمان السفير الأمريكي المستوطن، ولا نتجنى عليه بهذا القول فهو يحتفظ بشقة في إحدى المستوطنات، وهو الذي جمع المال للمستوطنات، وأشرف على أدق التفاصيل في الخطة، بناء على ما قاله دروري غولد الدبلوماسي الإسرائيلي اليميني المخضرم، الذي شغل منصب سفير إسرائيل في الأمم المتحدة، ومنصب وكيل وزارة الخارجية، وهو مقرب جدا من نتنياهو.

«مباحثات طويلة وحثيثة سبقت إعلان صفقة القرن، ليس لأخذ مصالح الفلسطيينين بعين الاعتبار، بل لوضعها بصيغة من قبيل الحديث بالاسم فقط عن دولة فلسطينية، كي تكون مقبولة لرجل مثل ترامب، ويمكن تسويقها للعالم الخارجي. وساعد فريدمان في وضع اللمسات الأخيرة، إضافة إلى جارد كوشنر صهر ترامب ومستشاره، الذي لم يقرأ كتابا كحماه، والداهية جيسون غرينبلات وثلاثتهم من أعتى الصهاينة، بالإضافة لمجموعة أخرى من الصهاينة. وكشف غولد الذي يترأس اليوم المعهد «الأورشليمي/ المقدسي» للشؤون العامة والدولة، أنه «بدأ الاتصال مع فريدمان الذي كان يشغل منصب محامي ترامب في قضايا الإفلاس، حتى قبل فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية أواخر عام 2016، وهو الذي أمسك بالملف الإسرائيلي في الحملة الانتخابية الأمريكية في الحزب الجمهوري».

ولم ينته دور فريدمان عند وضع صفقة القرن فحسب، بل اختاره ترامب ليترأس اللجنة الأمريكية الإسرائيلية المسؤولة عن مهمة تنفيذ الصفقة، خاصة في ما يتعلق برسم الخرائط، ومسح المناطق في الضفة الغربية التي سيجري ضمها إلى إسرائيل. وسيساعد فريدمان في هذه المهمة، كبير مستشاريه آرييه لايتستون، وسكوت ليث رئيس شؤون العلاقات الإسرائيلية- الفلسطينية في مجلس الأمن القومي الأمريكي. وسيمثل إسرائيل فيها سفير واشنطن رون درامر والوزير ياريف ليفين، ومئير بن شابات رئيس الأمن القومي، ورونين بيريتس.

 

    صفقة ترامب، مخطط صهيوني من ألفه إلى يائه، وهي ليست خطة مستحدثة، بل قديمة قدم الاحتلال للضفة

 

نعود إلى الفعاليات الشعبية، فرغم أهميتها وضرورة تكثيفها والتحشيد المتواصل لها، إلا أنها يجب ألا تظل مقصورة أو محصورة في هذه الفعاليات، التي تأتي كردات فعل تخمد وتفقد بريقها مع مرور الوقت، وتصبح روتينية، يفقد المشاركون فيها حماسهم تدريجيا، مع غياب النتائج المرجوة، وهذا على وجه الخصوص ما يعتمد عليه الأعداء في قراراتهم وتحركاتهم في القضايا والشؤون التي تخصنا، ويعايرنا به «المتأسرلون العرب». لا بد من تطوير ردات الفعل هذه، وأساليب المقاومة الشعبية، كي نرتقي بها إلى انتفاضة حقيقية، بتوسيع رقعة المواجهات ونوعيتها، والاحتكاك مع جنود الاحتلال، وعدم قصرها عند نقاط التماس، وتشتيت جهوده وقواته، فتشمل المستوطنات التي يحب الا تظل بمنأى عن نشاط المقاومة الشعبية، ووضع حد لاعتداءات المستوطنين الذين يعيثون في الضفة الغربية فسادا، ويتغولون مع غياب حملات التصدي لهم بجميع الأدوات المتوفرة والمتاحة. ولن تتحقق المقاومة الشعبية ولن تتطور إلى انتفاضة حقيقية إلا بتوفير الأرضية لها، عبر اتخاذ قرارات فلسطينية جريئة على الصعيد الرسمي منها، وقف التعامل مع مخلفات اتفاق أوسلو المشؤوم الميت أصلا، والتحرر من كل قيوده والتخلص من تبعاته ومصائبه، كما قرر غير مرة المجلسان الوطني والمركزي لمنظمة التحرير، وإعلان السلطة دولة تحت الاحتلال، وفقا لقرارات الأمم المتحدة، وإلقاء أعبائها ومسؤولياتها جميعها من الأمنية والإدارية والاقتصادية والمالية والتعليمية الخ، على دولة الاحتلال الإسرائيلي، عندئذ سيكون لأعمال المقاومة الشعبية من إضرابات وعصيان مدني واحتجاجات ومواجهات التأثير الأكبر والأوسع.

وهذا يتطلب على الصعيد الفصائلي توحيد الجهود على جميع المستويات، وتحقيق المصالحة، وإنهاء الانقسام المشؤوم، المنشر الذي تعلق عليه كل الخطايا والمؤامرات والموبقات، التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، وهذا أيضا يتطلب وضع خطة عمل شاملة، تتفق عليها جميع الفصائل والحركات، صغيرها وكبيرها، وكان يفترض أن تتم هذه التفاصيل في اليوم التالي لإعلان الصفقة، والاتصال الهاتفي الذي أجراه إسماعيل هنية مع الرئيس عباس، لكن ذلك اللقاء لم يتم لأسباب وتبريرات، لم أفهمها ولم استوعبها، من الفصيلين الرئيسيين فتح وحماس، ولن أوجه اللوم لطرف دون الآخر، ولكن أيا كانت الأسباب فلا بد من التحرك فورا لتذليل كل المعوقات، وأي عقبات تعترض طريق اللقاء الذي كان مقررا في غزة. فالوضع في غاية الخطورة ولم يعد يحتمل مماطلة أو تسويفا، والمبررات التي تتحدث عنها حماس وفتح لم تعد مقبولة.

يجب أن تسير بموازاة الانتفاضة في الداخل، انتفاضة في الخارج، سياسية دبلوماسية وقانونية، تقودها الدبلوماسية الفلسطينية بسفاراتها، تدعمها الجاليات الفلسطينية، حيثما وجدت، وكل الروافد الأخرى من المنظمات الشعبية، انتفاضة تدور رحاها في أروقة الأمم المتحدة والعواصم العالمية، لاسيما الأوروبية، لكسب الرأي العام العالمي، وحشد أوسع رفض دولي لخطة ترمب/ نتنياهو، إدراكا لمخاطرها الحقيقية ونتائجها الكارثية على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، حسب كلام وزارة الخارجية الفلسطينية، والتصدي الحقيقي للتنمر الأمريكي على المجتمع الدولي وشرعياته، والمحاولات الرامية لاستبدال القانون الدولي بشريعة الغاب، إنها انتفاضة لا تقل أهمية عن الانتفاضة على الأرض.

وفي خضم هذه المعركة، يجب الا ننسى الدور المحوري الذي يفترض أن يلعبه اللاجئون في المخيمات المحيطة بفلسطين، الذي سيكون لهم دور أساسي، خاصة أن أحد الأهداف الرئيسية لصفقة القرن هو تصفية قضيتهم وإلى الأبد. وأكدت الخارجية أنها تواصل الحراك السياسي والدبلوماسي والقانوني على المستويات كافة.

وأختتم بالقول إنها معركة يجب أن تحشد لها كل قدرات الشعب الفلسطيني بأطيافه السياسية والفكرية المختلفة، والابتعاد عما يثير الخلافات والحساسيات في الحاضر، معركة يجب أن يبتعد فيها المسؤولون الفلسطينيون، على الأقل في الوقت الحالي، عن القضايا الحساسة التي تثير غضب الجماهير الغاضبة أصلا، ومنها إجراء أي لقاءات مع الجانب الإسرائيلي، سواء في تل أبيب أو رام الله، أو أي مدن أخرى مهما كانت المبررات، في هذا الوقت الذي تغلي فيه الدماء في العروق، فهذه اللقاءات أيا كانت أهدافها بالتأكيد لن تصب في المصلحة الوطنية في هذه الظروف الحساسة، وستكون لها نتائج عكسية كما حصل في رام الله بإلقاء زجاجة مولوتوف على مطعم وسط رام الله استقبل لقاء بين مسؤول فلسطيني مع صحافيين إسرائيليين، الوضع متفجر ولا يحتمل اي تصرفات حمقاء.

كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»