نعم هناك حملة تشويش منظمة ضد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني  وحكومته

أربعاء, 21/08/2019 - 20:03

اكتفيتُ في مقال سابق بالتساؤل عما إذا كانت هناك حملة تشويش منظمة ضد رئيس الجمهورية وحكومته. أما في هذا المقال فقد قررت أن أتجاوز مرحلة التساؤل، وأن أتبنى الفرضية القائلة بوجود حملة تشويش منظمة، وذلك بعد أصبح لدي من الأدلة ما يكفي لتبني هذه الفرضية.

ـ في يوم الأربعاء الموافق 7 أغسطس 2019 أصدرت الإدارة العامة للقناة الموريتانية بيانا تم سحبه لاحقا، وتم وصف رئيس الجمهورية في ذلك البيان بالرئيس الجديد.

ـ في يوم 15 أغسطس 2019 أكد الناطق الرسمي باسم الحكومة في أول مؤتمر صحفي له بأن الحكومة الجديدة ما هي إلا امتداد واستمرار للحكومة في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، والذي وصفه الناطق الرسمي باسم الحكومة في مؤتمره الصحفي بفخامة رئيس الجمهورية.

ـ في يوم 20 أغسطس 2019 بثت قناة البرلمانية المقابلة الكاملة التي أجرتها مع نائب رئيس الجمعية الوطنية، وهي المقابلة التي أكد فيها نائب رئيس الجمعية الوطنية بأن الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز هو الذي سيختار رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وأن رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني لا يمكنه أن يختار رئيس الحزب إلا بالتشاور والاتفاق مع الرئيس السابق، وبعيدا عن أعين "الصغار".

ثلاث رسائل مربكة ومستفزة  من ثلاث جهات وفي أقل من أسبوعين، وكل هذه الرسائل تحاول أن تقول بلغة سياسية فصيحة وصريحة بأن الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ما يزال يتحكم في كل شيئ: فالحكومة امتداد له كما قال الناطق الرسمي باسمها، والحزب "الحاكم" حزبه كما قال نائب رئيس الجمعية الوطنية؛ والإعلام الرسمي إعلامه، كما أكد بيان الموريتانية الذي مجد العشرية ووصف رئيس الجمهورية بالرئيس الجديد.

أخطر ما في الأمر هو أن هناك استعدادا كبيرا لدى الموريتانيين لتصديق الفرضية القائلة بأن الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ما زال يتحكم في كل الأمور، وإذا ما استمر إرسال هذه الرسائل المربكة، ويبدو أن إرسالها سيستمر إذا لم تتخذ إجراءات عقابية قوية، فإن الكثير من الموريتانيين سينتهي به المطاف إلى  أن يصدق ا بأن الرئيس السابق هو من يدير شؤون البلاد، وبطبيعة الحال فإن أكثر الموريتانيين يقدم ولاءه لمن يحكم بشكل  فعلي، لا لمن يمثل مصلحة عليا للبلد.

ولو أن رئيس الجمهورية أقال مدير الموريتانية بشكل فوري لما تجرأ الناطق الرسمي على التصريح بما صرح به، ولو أن الناطق الرسمي باسم الحكومة تلقى عقوبة أكثر من حجب فقرة من تصريحه، لما تجرأ نائب رئيس الجمعية الوطنية إلى أن يقول ما قال.

 

إن هذا الأسلوب الناعم في التعامل مع  هذه الأخطاء الفادحة سيدفع بكثيرين إلى ارتكاب المزيد من الأخطاء توددا لمن يعتقدون بأن السلطة ما تزال بيده، ثم إن قطع فقرة من تصريح الناطق باسم الحكومة، ومحاولة حجب نصف ساعة من مقابلة نائب رئيس الجمعية الوطنية، قد يعطي انطباعا سيئا عن تعامل النظام الجديد مع الإعلام ومع فصل السلطات، ولن يؤدي في نهاية المطاف إلى وقف هذه الحملة المنظمة للتشويش على رئيس الجمهورية وحكومته.

 

لستُ بطبيعة الحال مع سياسة القص والحجب، ولكني استغربت من تهديد رئيس البرلمان بوقف التعامل مع قناة الموريتانية إذا لم تبث اللقاء مع نائب رئيس الجمعية كاملا، واستغربت كذلك من تهديد نائب رئيس الجمعية الوطنية، وقوله بأنه سينفق من ماله الخاص على قناة خاصة لكي تبث الحلقة كاملة إذا لم تبثها قناة الموريتانية.

 

هذا الانتصار لمقابلة تلفزيونية قد غاب تماما عندما تم اقتطاع مداخلة للنائب محمد بويا ولد الشيخ محمد فاضل، ومن المعروف بأن حجب مداخلة النائب خلال المداولات هي أشد خطرا من حجب مقابلة مع نائب آخر، حتى ولو كان  ذلك النائب هو نائب رئيس الجمعية الوطنية، فالمادة 51 من الدستور الموريتاني تحدثت عن جلسات الجمعية الوطنية وعن نشر محاضرها في الجريدة الرسمية، ولم تتحدث إطلاقا عن المقابلات الصحفية لرئيس الجمعية أو لنائبه.

 

فبأي منطق يغضب رئيس البرلمان ونائبه بسبب حجب أجزاء من مقابلة تلفزيونية ولا يغضبان، إن لم يكن قد رضيا، عن حجب مداخلة نائب أثناء مداولات جلسة علنية؟ فهل السبب في ذلك أن مداخلة النائب قد أساءت إلى الرئيس السابق أما المقابلة فقد أساءت إلى الرئيس الحالي؟

 

لا يمكننا أن نتفهم هذا الانتصار المفاجئ للجمعية الوطنية ولفصل السلطات خاصة إذا جاء من النائب بيجل، والذي كان قد افتخر ذات جلسة برلمانية بأنه لم يدخل مبنى الجمعية الوطنية منذ انتخابه في العام 2013 من قبل الجلسة الخاصة بنقاش التعديلات الدستورية، والتي تم بموجبها "إلغاء" غرفة برلمانية.

 

إن النائب بيجل ليس هو أفضل من يدافع عن الديمقراطية، خاصة وأنه لا يرى بأن الجمعية الوطنية تمثل صوت الشعب، ولا يرى بأن هناك فرقا يذكر بين حزب الاتحاد من أجل الجمهورية والحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي، وفي هذه فقد صدق. 

 

إن حملة التشويش هذه إن استمرت فإن ذلك سيعني بأن أهم مكسب ديمقراطي تحصل عليه الموريتانيون سيكون في خطر، وأقصد هنا مكسب التناوب السلمي على السلطة.

 

إن حماية هذا المكسب الذي دافع عنه الموريتانيون في أكثر من مناسبة يستوجب مراجعة بعض الأخطاء والمسارعة في تصحيحها، وذلك حتى لا نندم في وقت لن ينفعنا فيه الندم.

 

(1)

 

لقد أخطأت المعارضة بموقفها السلبي من نتائج انتخابات 22 يونيو، وقد أخطأت بعدم اعترافها بالرئيس المنتخب، وقد أخطأ بشكل خاص حزب تواصل الذي وصف رئيسه انتخابات 22 يونيو بأنها هي الأسوأ في تاريخ البلاد، وأخطأ الحزب أيضا عندما رفض الاعتراف بنتائج انتخابات 22 يونيو 2019، وهو الذي كان قد سارع إلى الاعتراف بنتائج انتخابات 18 يوليو 2009.

 

على المعارضة ـ وعلى رأسها حزب تواصل ـ أن تقدر خطورة اللحظة السياسية، وأن تصحح خطأها، وأن تعترف بالنتائج، وأن تبعث عبر البريد السريع والمضمون برسائل  طمأنة إلى صندوق بريد رئيس الجمهورية المنتخب، وإلا فعليها أن تعلم بأنها ستصبح ـ عن قصد أو عن غير قصد ـ في الفسطاط  الذي يعمل ضد تكريس مبدأ التناوب السلمي على السلطة.

 

(2)

 

على المدافعين عن مبدأ التناوب السلمي على السلطة في فسطاط الموالاة، وخاصة منهم النواب الذي وقفوا ضد مبادرة التمديد، عليهم أن يكسروا جدار الصمت، بل وأن يرفعوا أصواتهم، وأن لا يتركوا ساحة الموالاة لتيار التشويش إن جازت هذه التسمية.

 

(3)

 

على النشطاء الشباب والمدونين وكل المستقلين الذين أبلوا بلاء حسنا في السنوات الماضية دفاعا عن الديمقراطية أن يقدروا حساسية اللحظة، وأن يعطوا الأولوية للدفاع عن الديمقراطية وحماية مبدأ التناوب السلمي بدلا من التركيز على رصد أخطاء النظام الجديد ومحاسبته حتى من قبل أن يلتقط أنفاسه. إن الأولوية خلال الأشهر القادمة يجب أن تمنح للدفاع عن مبدأ التناوب السلمي على السلطة، ولحماية الديمقراطية، وبعد تلك الأشهر فليعارض من شاء أن يعارض وليوالي من شاء أن يوالي.

(4)

وهذه جعلتها هي الأخيرة، ولكنها هي الأهم، فعلى رئيس الجمهورية أن يبعث برسائل طمأنة إلى الشعب الموريتاني يؤكد من خلالها بأنه يمسك بكل خيوط اللعبة، وعليه أن يشعر كل داعميه من داخل الموالاة والمعارضة ومن خارجهما بأنه يقدر جهودهم، وعليه ـ وهذه أكثر إلحاحا ـ أن يتخذ إجراءات صارمة ضد كل من يحاول داخل الموالاة أن يشوش على الحكومة أو يربكها بتصريحات أو بمواقف يمكن أن تزيد من ضبابية المشهد.

وعليه ـ  إذا ما ظل حزب الاتحاد من أجل الجمهورية يدين بالولاء للرئيس السابق ـ  أن يسارع إلى حل البرلمان، وأن يكون ذلك من قبل مؤتمر الحزب، وستكون تلك ضربة قاضية، وعليه في هذه الحالة أن يعطي الإشارة بتشكيل حزب جديد، وليكن نواب الاتحاد من أجل الجمهورية  الرافضين للتمديد هم النواة المؤسسة لذلك الحزب الجديد.

حفظ الله موريتانيا..

محمد الأمين ولد الفاضل

[email protected]