وادي المرايا» (البيان التأسيسي)

خميس, 22/01/2026 - 10:26

​في وادي المرايا، لا تسرق الشمس الضوء، بل تستعيره من عيون العابرين. وقفتُ هناك، فرأيتُ وجهي قديماً كأنه غبار، وجديداً كأنه ندى. قالوا لي: "أنت غامض"، فقلتُ: "بل أنتم تنظرون إلى الزجاج، وأنا أنظر إلى ما خلفه".

​في مملكتي، الأصنام التي عبدها التملق طويلاً ليست إلا أحجاراً صماء، فقد جاء الزمان الذي تُبدل فيه تلك الأصنام بالأوثان البالية في طريق العابرين. سأجعل من صمتها سخرية، ومن هيبتها المصطنعة فكاهة، ليعلم الجميع أن السلطة الحقيقية هي للمرآة التي تكشف العري خلف الثياب الفاخرة. الهدم ليس غاية في حد ذاته، بل هو هدمٌ للزيف لبناء صرح الحقيقة؛ ولأني لا أحب السير على الدروب المطروقة، فليس ما أفعله هدماً للبنيان، ولكنه تأسيسٌ بالبيان.

​لقد بدأتُ معكم بالسهل الميسر، فظننتموه باباً مشرعاً للتسلق والاستباحة، وما كان إلا دعوة للتأمل. ثم انتقلتُ بكم إلى السهل الممتنع، فبدأتم تتحسسون عجزكم عن مجاراة الانعكاس. والآن، حين بنيتُ مملكتي من خيال وفانتازيا، وصمتموها بالخشونة والصعوبة؛ والحقيقة أنها ليست صعبة، بل هي مرآة شاهقة لا يطالها إلا من يملك أجنحة الفكر منكم.

​إنني لا أتعالى هنا على أحد، ولا أرمي القراء بالنخبوية، ولكنني أريد للحرف في بلدي أن يسمو؛ أن ينتفض من حضيض الوحل وحضيض القبح، ليرتقي إلى سماوات الجمال اللغوي والبناء بالمجسمات. لقد جعلتُ من كلماتي تضاريس تشبه أرضنا؛ تارةً تكون سهلاً ميسراً، وتارةً ممرّاً ضيقاً، وتارةً «حقفا» وعراً.

​ومن لم يتمرن على قفز خفة الغزال في هضاب «حقف التيه» بآوكار، فليستعن بجلد «العيس» وصبرها على العطش وطول النفس؛ فخُشونة الحرف هنا من طبيعة الأرض، ولا يقطع فيافي هذا البيان إلا من صبَر على خشونة الرمال، وخبر سلوك «الظِّراب» الوعرة التي تشق مسالك الوعي في صميم الجبل لتفتح آفاق الحقيقة. فاحذروا من «الجذب»؛ ففي تلك الرمال التي لا ترحم، يموت الغزال في جذبه وفاءً للأرض، ولا ينجو إلا من امتلك «علم الذهاب» وبصيرة المِرآة التي تعكس الحقائق وتطرد زيف الأصنام.

​وفي هذه اللحظة الفارقة، أعلنُ تتويج «السلطة الرابعة» لتكون هي «السلطة العليا» في هذه المملكة؛ أُتَوِّجُهَا ملكاً مهاباً من أجلكم، لكي تتحرروا من سادية العبودية ومن سرقة الكلم، ولتتولوا مهمة «تحرير الصحافة» من قيود الزيف وتبعية الأصنام.

​إنني أرتقي بهذه الكلمة لتسمو فوق قِمَّةِ صَرْحِ جبل الشيخ سيدي أحمد عند فوهة «ممر أَشَتَفْ» بالمجرية؛ ذلك الممر الذي يقع سفحه على بلاط الحرية والانعتاق، ليكون ممراً شامخاً للخلاص ورمزاً تهديكم به المِرآة العاكسة نورها أيها التائهون في عتمة الزيف، ولا ينالها إلا من طهر نفسه من عبادة الأصنام القديمة.

​محمد الأمين ولد سيدا محمد يحياوي