لم تكن ساحة المعرض الواقعة بين الميناء وعرفات، جنوب العاصمة نواكشوط، غريبةً على محمد جميل منصور، ولم يكن سكان بلدية عرفات غرباء عليه؛ فقد عرفوه عمدةً ومناضلًا وقائدًا معارضًا للأنظمة السابقة، إلا أنه اليوم جاءهم بخطابٍ وبشعاراتٍ مغايرةٍ لتلك التي اعتادوا عليها عندما كان يتقدم صفوف حزبه السابق، التجمع الوطني للإصلاح والتنمية و”تواصل»، في المهرجانات الشعبية.
أطل جميل من المنصة ملوحًا بيده، موزعًا ابتساماته، وبجانبه الرفقاء الجدد؛ ليسوا الإخوة الذين كانوا يجلسون بجانبه في السنوات الماضية، أي ما قبل 2023؛ وجوه غير مألوفة لدى بعض الجمهور الحاضر للمهرجان الشعبي الذي ينظمه حزب وليد يقوده ولد منصور.
كانت آخر مرة أطل فيها ولد منصور من هذه الساحة عندما نظم “تواصل” مهرجانا شعبيا لا يشبه ما يحضره اليوم، لا في الشعارات ولا في الهتافات ولا في الخطاب. حينها لم يكن أقل المتفائلين يرون أن الرئيس الأسبق لحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “تواصل” أحد أكبر الأحزاب ومن مؤسسيه، سيرحل عنه ويؤسس حزبًا على نقيضه في التوجه والرؤى.
مرونة سياسية
لا يوجد في السياسة ما هو مستحيل؛ فلا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، وهذا ما يثبت اليوم وينطبق على الرئيس جميل، يعلق أحد الحاضرين للمهرجان.
وهذا ما عبّر عنه محمد جميل منصور في العديد من خرجاته الإعلامية والصحفية، مبررا انسحابه من تواصل” وتأسيس حزب جديد داعم للرئيس، حين قال إن السياسي لا يمكن أن يبقى أسير مقاربة ثابتة، حتى لو تغيرت الظروف والمعطيات التي يجب أن تُبنى عليها مقاربة أخرى.
ويضيف ولد منصور أن المعارضة والموالاة مواقف سياسية تتعلق بشخص من يحكم؛ فإذا كان الشخص الذي يحكم يغلب عليه الأداء السلبي، وعدم التعاطي مع الطيف السياسي، وضعف الانفتاح، يبرر اختيار المعارضة، وهو موقف يصفه بالسياسي السليم.
لكن حين يكون من يحكم متعاطيًا، ويقطع خطوات اجتماعية، وينفتح على الطيف السياسي، يبرر ذلك الاصطفاف في الموالاة، وهذا ما جعل جميل اليوم من الداعمين للرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني.
رسائل عرفات
يبقى اللافت اليوم، في أول مهرجان شعبي ينظمه حزب الجبهة المواطنة والعدالة “جمع”، أنه اختار أن يكون في منطقة توصف بأنها محسوبة على حزبه السابق “تواصل”، التي تمثل ثقله الانتخابي والسياسي.
ولد منصور، الذي عرف بأنه سياسي محنّك، وقد شرب من حياض العمل السياسي حين كان شابًا في الجامعة، ناشطًا في النوادي الطلابية في الثمانينات، حين كانت تلك النوادي المنفذ الوحيد للشباب إلى معترك السياسة، لذلك لن يكون اختياره لعرفات لتنظيم المهرجان صدفة؛ فهو ممن تعلموا أن كل خطوة يجب أن تكون محسوبة ومخططًا لها، إذ لا مكان للصدفة في السياسة، خاصة لدى من خبر التنظيمات السرية.
لهذا أراد إرسال رسالة “لإخوة الأمس” بأن السياسي وهجه لا يخفت بالاستقالة من واحد من أكبر الأحزاب في موريتانيا، والالتحاق بركب الموالاة التي يرى أنها ليست مطلقة، وإنما شجاعة نقدية حين يحيد من يدعمه عن الطريق، وأنه ما زال يملك من الرصيد ما يجعله قادرًا على حشد الجمهور، حتى ولو لم يكن بخطاب معارض راديكالي كما كان عليه قرابة أربعين سنة.
كما أراد أن يذكر “إخوة الأمس” بما حققه عام 2001 في الانتخابات البلدية، وهو الفوز بعمدة بلدية عرفات على مرشح الحزب الجمهوري، رغم ما بذله نظام معاوية ولد سيد أحمد الطايع من جهود لمنع نجاحه، لكنهم فشلوا.
الرسالة الثانية أن هذه الساحة تعرفه؛ خاض فيها أقوى المعارك السياسية ضد حزب رسخت له جميع أجهزة الدولة، وهو يستطيع فيها مقارعة رفقاء الأمس على ما يرون أنه امتداد لثقلهم السياسي.
الحنين السياسي أعاده إلى عرفات، حيث كانت شاهدة على بداياته، وفيها تعرّف الموريتانيون على سياسي يعد رمزًا من رموز التيار الإسلامي المعارض، تمكن من إلحاق بالحزب الحاكم هزيمة كانت سببًا في خروج البلدية عن الولاء لـ«حزب الدولة».
كان ذلك قبل 25 سنة؛ تغيرت عرفات وتغير معها جميل منصور، فما كان مستحيلًا صار حقيقة، شعارات وصور وخطاب يشيد بما حققه النظام على المستوى الاجتماعي والاقتصادي.
يريد رئيس حزب «جمع» من هذه العودة، عبر المهرجانات الشعبية، أن يجدد العلاقة مع سكان عرفات، وأن يؤكد أن جميل لا يتغير، وإنما تعاطي النظام مع السياسيين والاستماع لهم تغير، مصغيًا للنصائح، وكانت من أسباب دعمه.
القواعد الثلاث
تنظيم هذا المهرجان الشعبي في ساحة مفتوحة لحزب وليد ليس مألوفًا في الساحة السياسية الموريتانية؛ فقد دأبت الأحزاب على تنظيم مهرجانات تأسيسية في قصر المؤتمرات أو في دار الشباب القديمة، غير أن حزب «جمع» اختار الخروج إلى الساحات وتعبئة الجمهور كما كان يفعل في العقود الماضية.
عندما عزم ولد منصور على تأسيس حزب، لم يكن ذلك بدافع إضافة كيان جديد إلى الساحة السياسية فحسب، بل انطلق من رؤية تقوم على ما يسميه ثلاث قواعد للتنوع. أولى هذه القواعد هي التنوع الوطني بأبعاده الثلاثة: العرقي، والفئوي، والجهوي.
أما القاعدة الثانية فهي التنوع السياسي، الذي يراه قائمًا على شرطين، أو صفتين أساسيتين. تتعلق الصفة الأولى برفض الانتماء إلى المدارس الفكرية على أساس تكوين إيديولوجي مغلق يتسم بالتعصب ورفض الآخر، في حين تقوم الصفة الثانية على تقديم المشترك الوطني على الخصوصيات الفكرية أو المدرسية.
ويعتبر ولد منصور أن هاتين الصفتين تنطبقان عليه وعلى مؤسسي الحزب، إذ يضع نفسه ضمن فئة السياسيين الذين شهدت أفكارهم تطورًا، وراجعوا تصوراتهم بما ينسجم مع متطلبات المرحلة.
وانطلاقًا من هذه المقاربة، يرى رئيس الحزب أن الانتماء الإيديولوجي القائم على التعصب لم يعد متماشيًا مع السياق السياسي الراهن، ولا مكان له داخل حزب «جمع»، وهو موقف يكتسب دلالته من كونه صادرًا عن شخصية سياسية قادمة من تجربة حزبية قائمة على إيديولوجية محددة.
رسالة جميل
مضى الوقت، وبدأ الليل يتسلل إلى نواكشوط. عندها وقف رئيس حزب “جمع” محمد جميل منصور، أمام أنصاره في المهرجان، مخاطبًا إياهم بلغة جديدة، أكد فيها أنهم “يدعمون الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لإنجاز الطرق والمرافق الصحية، ومساعدة الفقراء”؛ وهي لغة تحمل في طياتها أكثر من رسالة، أبرزها السعي إلى التموضع داخل المشهد السياسي القائم، لا خارجه، وإظهار الحزب الوليد بوصفه فاعلًا منسجمًا مع أولويات الدولة في مرحلتها الراهنة.
ثم قال بصوت جهوري إن الرسالة التي على الجميع تلقيها، من دون تشفير، مفادها أن هذا المهرجان يعلن ميلاد حزب سياسي جديد، قادم بقوة إلى الساحة السياسية للمنافسة. إعلان لم يأتِ في صيغة تحدٍّ مباشر، بقدر ما حمل دلالات حضور محسوب، يسعى إلى تثبيت الوجود وفرض الاسم ضمن خارطة الفاعلين السياسيين.
ولعل الرسالة قد وصلت إلى “إخوة الأمس”، مشفرة كانت أم غير مشفرة، غير أن المؤكد أن اختيار تنظيم المهرجان في الساحة نفسها التي اعتاد حزب “تواصل” تنظيم أنشطته فيها، وفي البلدية التي تمثل أحد أهم معاقله الانتخابية، لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل خطوة ذات رمزية؛ فهي تعكس انتقالًا واضحًا من منطق التماهي مع التجربة السابقة إلى منطق المنافسة المباشرة، وتؤشر إلى أن الحزب الجديد لا يكتفي بإعلان الوجود، بل يسعى إلى اقتحام مناطق النفوذ التقليدية وفتح فصل جديد في معادلات التنافس داخل الساحة السياسية



