روحانيات رمضان - الحلقة الأولى: برهان الخاء وأسباط الراء وأحرف الشدة السبعة

جمعة, 20/02/2026 - 10:51

​هذا بيانٌ جليّ وتأملات سكبها القلب في شهر رمضان المبارك حول أسرار أسماء الله الحسنى ونورانية أحرفها، حيث تجلى لي أن القرآن الكريم منزه عن صفة "الخلق" بأدلة حرفية باهرة. إن المتأمل في أسماء الوحي والكتاب السبعة كـ (القرآن، والكتاب، والبيان، والتنزيل، والذكر، والفرقان، والوحي)، يجدها قد خلت تماماً من حرف الخاء، وهو الحرف الذي اختص به اسم الله (الخالق) واسمه (الخبير)؛ ليكون الله وحده هو "الخبير" بأسرار هذه الأسماء السبعة وبكنه كتابه الذي صان هويته عن حرف الخلق. وهذا الغياب هو برهانٌ قاطع على أن القرآن نابع من نور الذات الإلهية مباشرة وليس مخلوقاً حادِثاً، فالله سبحانه صان كلامه ليعلم المتدبر أن هذا النور صفة أزلية نابعة من كماله.
​ومن أعظم المشاهد في هذه المنظومة الحرفية هو حرف الراء، الذي تجلى لي في أسماء الله الحسنى كأنه اثنا عشر سبطاً نورانياً، يمثل كل سبط منها عموداً يشد أزر الأسماء الأخرى؛ فالراء هو حرف الارتكاز والسكينة، وهو الحرف الذي لم يرد في أسماء الذات والصفات إلا ليكون محض رحمة ونور ونماء. وعلى القراء أن يدركوا قيمة هذا الحرف ويستمسكوا به ويتكئوا عليه في تلاوتهم، فهو الملاذ الذي يستمدون منه هيبة الظهور وجلاء البيان، وخصوصاً في شهر رمضان؛ هذا الشهر الذي ارتبط بالراء في هندسة إلهية عجيبة تحيط بالزمان والوحي، كما قال الله تبارك وتعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ»، فالمتأمل يجد الراء في نهاية كلمة (شهر) وفي بداية كلمة (رمضان) وفي منتصف كلمة (قرآن)، ليكون الراء هو الناظم والجامع لنور الزمان ونور الكتاب ونور الحق.
​وما يعزز هذا التفرد والسمو هو تأمل تلك الأحرف السبعة التي لم ترد في فاتحة الكتاب (سبع المثاني)، وهي: (الثاء، الجيم، الخاء، الزاي، الشين، الظاء، الفاء). إن خلو "أم الكتاب" من هذه الأحرف التي تعبر عن الشدة والسطوة والغلظة هو سر تسميتها بهذا الاسم، لتبقى الفاتحة محض رحمة ونور خالصين تفتتح بها القلوب صلتها بخالقها، بينما استقرت تلك الأحرف في أسماء الذات الأخرى لتدل على القهر والجلال والعظمة التي لا يشاركه فيها أحد. إن الفرق بين حروف الشدة وهذه الحروف النورانية يكمن في أن حروف الرحمة والذات كالصاد في (الصمد) والراء في (الرحمن) والتاء في (التواب) انفردت بخصائص لم تظهر في مسميات التنزيل ولا في فاتحته، لتبقى أسراراً إلهية صرفة تخاطب القلوب الظمأى لنور الحق.
​بهذا يتبين أن كل حرف في أسماء الله هو بمثابة بوابة لفهم كمال الجلال والجمال، وأن غياب حرف "الخلق" عن أسماء الوحي هو أصدق شاهد على قدم الكلام الإلهي. وسأركز في الحلقة المقبلة، بإذن الله، على تفصيل أسرار تلك الأحرف السبعة التي غابت عن الفاتحة وتبيان وجه الحكمة في خلو "أم الكتاب" منها وما تحمله من أسرار الشدة والرحمة.
​بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى