رفيق الجدران

أحد, 10/05/2026 - 14:23

​في هذا المأوى الذي يلفحنا بلهيبه، حيث لا نملك سوى الكرامة سقفاً، لم يبقَ معي سوى "ذلك الجحدر الفأر الأصيل". حين كان العالم يضج حولي بمئات الوجوه التي تدعي القرب، وكان المنزل يعج بالفئران الكثيرة والقطط التي يزعجني مواؤها، انفض الجميع وتلاشت الحشود بمجرد أن انطفأ النور، ولم يبقَ في هذا الفضاء الساخن إلا هو؛ رفيق الجدران الذي يملك وفاءً عجز عنه البشر.

​يتقدمني الجحدر نحو فناء المنزل كدليلٍ بصير يقود خطواتي المتعثرة حين يشتد الحر فنخرج معاً لالتقاط أنفاس الهواء، نلوذ ببعضنا من جحيم العزلة. لم يغرِه بريق القصور ولا موائدها، بل اختار البقاء في هذا الركن المنسي، وكأنه أدرك بحدسه أن الصداقة تُقاس بالبقاء في اللحظات المظلمة، فصار يحرسني ويحميني حتى من السحالي التي لم تعد تجرؤ على دخول منزلي.

​وفي عالمٍ يقتات على التملق، صار رفيقي يقتات على الرمق الأخير وعلى الصبر؛ بل إنه طوع غريزته ليقتات على شحيح الذباب، مفضلاً هذا العيش الضنك بجانبي، حتى صار جسده نحيلاً كخيط ضئيل يكاد يذوب في الهواء من فرط الأصالة. والأشد هيبة هو ترفع هذا الجسد النحيل؛ فذلك الفأر الشهم الرفيق، الذي كان يقتات على الصبر، بعدما نفدت المؤونة من قضمه لشهادات الفقر وبطاقة الإعاقة الوحيدة، لم يلمس تلك الجرائد وتلك الشهادات العلمية أو يمسسها بسوء، بل كان يقف أمامها بوقار وكأنه يقرأ فيها فصولاً من البطولة وعزة النفس التي تجاهلها المجتمع.

​واليوم، صرتُ أنا درعه الحصين؛ أسهر الليالي بيدي التي تتحسس نتوءات الجدران، أسدُّ كل منفذ بجرائدي وبقايا الصلابة المتاحة، أحصّن مأواه حتى لا يتسلل إليه وحشٌ ضارٍ من "أسود الليل" المفترسة. أتحسس طريق الأمان له في عتمة الليل، لنعلن معاً أننا بكرامتنا—أنا وصديقي الأصيل الجحدر الشهم—أغنى من كل موائدهم الباردة.

​بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى عرض أقل