
في خضم التحضير للمؤتمر الصحفي المرتقب الذي أعلنت عنه الرئاسة الموريتانية ليجمع فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، مع ممثلي الصحافة الوطنية، أجدها فرصةً سانحة لأستحضر مقالتي التي كتبتها عام 2013 إلى سلفه في القصر الرئاسي ذاته، تحت عنوان: "أسئلة ونصائح موجهة إلى الرئيس في يوم اللقاء".
واليوم، ونحن في انتظار هذا اللقاء الجديد، أوجه هذه الرسالة؛ فأنا أؤكد أن الصحافة هي مرآة الشعب وضميره، وكما يُقال: "أعطوني صحافة حرة، أعطيكم شعباً واعياً". فالصحافة هي جسد الأمة، إن صلحت صلح الشعب وإن فسدت فسد كله؛ لذا نحن بحاجة ملحة إلى صحافة جادة ومسؤولة، فهي الركيزة الأساس لبناء الديمقراطية. ولأن القطاع يعاني من مشاكل عالقة، فهي التي سأتحدث عنها هنا في هذه المقالة.
فخامة الرئيس،
إنَّ وقوفَكم اليومَ أمامَ الصحافةِ ليس مجردَ طقسٍ لتبادلِ الأسئلةِ والأجوبة؛ بل هو اختبارٌ لعمقِ الرؤيةِ وحكمةِ القرار. إنَّ المؤسساتِ الإعلاميةَ التي تحملُ همومَ الوطنِ اليوم، تجدُ نفسها في مفترقِ طرقٍ؛ فبعد اختفاءِ الصحافةِ الورقيةِ والاعتمادِ الكليِّ على الإعلامِ الإلكتروني، باتَ القطاعُ يفتقرُ لأدنى مقوماتِ البقاءِ وأبسطِ وسائلِ الإدراجِ المهني.
لقد أصبحَ الصحفيون، وخصوصاً أولئك الذين يخوضون غمارَ "الاستقصاءِ" المحفوفِ بالمخاطر، في وضعٍ لا يُحسدون عليه؛ إذ يفتقرون لأيِّ تأمينٍ صحيٍ أو ضمانٍ اجتماعيٍ يحمي كرامتهم، بل إنَّ منهم من تعرضوا لعاهاتٍ دائمةٍ في ميدانِ العملِ ليجدوا أنفسهم بعدها في طيِّ النسيانِ والإهمال، وكأنَّ تضحيتهم في سبيلِ كشفِ الحقيقةِ لم تكن يوماً جزءاً من بناءِ هذا الوطن. إننا لا ننشدُ امتيازاتٍ إضافيةً بقدرِ ما نطالبُ بحيزٍ من الاستقلاليةِ المهنيةِ الذي يجعلُ من صوتنا انعكاساً صادقاً لواقعِ المواطنِ الذي أثقلهُ الغلاءُ وأنهكتْه وعودُ الحلول.
إنَّ التاريخَ في ذاكرةِ الشعوبِ لا يُبنى بالتكرارِ ولا بالبقاءِ على قيدِ مديحِ المصفقين الذين يزيّنونَ في أذانكم "استدامةَ الحضور"؛ بل يُبنى بالتسليمِ بأنَّ لكلِّ مرحلةٍ رجالَها، وأنَّ شجاعةَ القرارِ تكمنُ في إدراكِ اللحظةِ المناسبةِ للترجلِ في أوجِ العطاءِ لا في قمةِ الاحتقان.
إنَّ المرحلةَ القادمةَ لموريتانيا لا تحتملُ المواربة؛ فهي تتطلبُ تشاوراً وطنياً شاملاً، يضعُ مصلحةَ الدولةِ فوقَ طموحِ الأفرادِ وحساباتِ "البطانة". إننا ندعوكم لأن تجعلوا من هذا الحوارِ نافذةً لتنقيةِ الأجواءِ، لا وسيلةً لترسيمِ الأمرِ الواقع؛ مدركين أنَّ الصحافةَ والأحزابَ هما ركيزتا اللعبةِ الديمقراطية، وأنَّ إصلاحَ الصحافةِ في هذه المرحلةِ المفصليةِ هو المدخلُ الأساسُ لإصلاحِ موريتانيا ككل. فالمواطنُ الذي يراقبُ اليومَ أداءكم، يقرأُ ما بينَ السطورِ أكثرَ مما يسمعهُ في الخطابات؛ فهو ينتظرُ خطواتٍ عمليةً تُنصفُ قطاعاً يُعاني، وتُغيثُ مجتمعاً يترقبُ، وتُرسّخُ تقليداً ديمقراطياً يجعلُ من "مغادرةِ السلطةِ" إنجازاً وطنياً لا خسارةً شخصية.
إنَّ الحكمةَ في السياسةِ هي أن تعرفَ متى تضعَ النقطةَ في آخرِ السطر، لتبدأَ فصلاً جديداً يُخلّدُ اسمَ صاحبهِ لا بالبقاءِ في المكان، بل بتركِ المكانِ صالحاً لمن سيأتي بعده.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى




