تعميم لغة الضاد في الإدارة الموريتانية: خطوة سيادية لترسيخ الهوية وتفعيل الدستور/ الياس محمد

ثلاثاء, 20/10/2026 - 16:06

أصدر وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، الناطق باسم الحكومة، محمد ولد بيانه، تعميماً رسمياً يقضي بفرض استخدام اللغة العربية حصراً في جميع المراسلات الإدارية والوثائق الصادرة عن القطاع والوجهة إلى ديوان الوزير. ويأتي هذا القرار في مستهل عمل الوزير الجديد، بعد يوم واحد فقط من تسلمه مهامه رسمياً من سلفه الحسين ولد مدو، ليشكل إشارة قوية وواضحة على التوجه نحو تعزيز الحضور المؤسسي للغة الرسمية للبلاد.

تحليل قانوني ودستوري: إنفاذ لروح الوثيقة الدستورية

يستند هذا القرار الإداري الشجاع إلى سند قانوني ودستوري راسخ لا غبار عليه، يتمثل في مقتضيات الدستور الموريتاني، الذي يحدد بوضوح هوية الدولة ورموزها السيادية:

المادة السوّاسية (المادة السادسة): تنص صراحة على أن "اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد". وبالتالي، فإن هذا التعميم لا يُعد ترفاً إدارياً أو إجراءً عارضاً، بل هو تطبيق مباشر وصريح لنص دستوري ملزم كان ينبغي تفعيله بشمولية أكبر في مختلف الإدارات العمومية منذ زمن طويل.السيادة الإدارية والتشريعية: إن استكمال سيادة الدول لا يتحقق فقط عبر الاستقلال السياسي والاقتصادي، بل يمر حتماً عبر "السيادة اللغوية". فالإدارة التي تُدار بلغتها الرسمية هي إدارة قريبة من مواطنيها، قادرة على التعبير عن هويتهم وتجسيد وجدانهم الثقافي والحضاري.إصلاح اختلالات الإدارة: لسنوات طويلة، عانت الإدارة الموريتانية من ازدواجية أدت في كثير من الأحيان إلى تهميش اللغة العربية في بعض القطاعات الفنية والتقنية. ويأتي هذا التعميم ليضع حداً لهذه الازدواجية داخل قطاع حيوي وثيق الصلة بالثقافة والهوية والاتصال، معيداً الأمور إلى نصابها الصحيح.

دلالات التوقيت والمضمون

رسالة حسم مبكرة: إن إصدار هذا التعميم في اليوم الأول لتسلم المهام يبعث برسالة سياسية بالغة الدلالة مفادها أن القيادة الجديدة لوزارة الثقافة عازمة على الانتقال السريع من مربع التنظير إلى مربع التطبيق الفعلي والجاد لسياسات الدولة اللغوية.

شمولية القطاع: شمل التعميم جميع مفاصل الوزارة الحساسة، ابتداءً من الأمانة العامة، مروراً بلجنة التربية والثقافة والعلوم، والمستشارين والمكلفين بمهام، وصولاً إلى المحافظة الوطنية للتراث والمؤسسات تحت الوصاية، مما يضمن خلو الديوان تماماً من أي استثناءات غير مبررة.

نموذج يحتذى به: نظراً لأن وزارة الثقافة والفنون والاتصال هي قطاع السيادة الثقافية والناطق باسم الجهاز التنفيذي، فإن مبادرتها تضع بقية الوزارات والقطاعات الحكومية أمام مسؤوليتها الوطنية والدستورية لتحذو حذوها.

إشادة مستحقة بخطوة تصحيحية طال انتظارها

نُشيد بحرارة بهذا القرار الوطني الجريء، ونتطلع إلى أن يتحول إلى سنة إدارية دائمة ومطبقة بحذافيرها لا تخضع للاجتهادات الشخصية أو الظرفية. إن تعزيز مكانة اللغة العربية في الإدارة ليس إقصاءً لأحد، بل هو تكريس للعدالة اللغوية واحترام لسيادة القانون والمدونة الدستورية للبلاد.

إننا أمام خطوة مباركة نحو بناء إدارة وطنية منسجمة مع ذاتها، وفخورة بهويتها، وقادرة على مخاطبة مواطنيها بلغتهم الرسمية بكل كفاءة واقتدار.