
في مدينة "العودة الهادئة"، بزغ فجر يوم جديد على الشيخ "نور الدين". لم يكن اسمه يثير الرعب كما كان في الماضي، حين كان يُعرف بـ "أبو سيف"، مفتي التنظيم الذي هزّ العالم بجرائمه. عاد نور الدين إلى وطنه بعد سنوات طويلة قضاها في قيادة آلة الموت، عاد شيخاً وقوراً، يرتدي ثياباً بيضاء ناصعة، وكأن الماضي لم يلوثه أبداً.
استقر نور الدين في قصر فخم، محاطاً بحراسة مشددة، ينعم بكل مظاهر الاحترام والتقدير. أما ضحايا "أبو سيف" وعائلاتهم، فكانوا يعيشون في الظل، يتجرعون مرارة الفقد والظلم، يشاهدون قاتل أحبائهم يتمتع بحياة هانئة لم يحلموا بها.
في إحدى الليالي، تجرأت أرملة فقدت زوجها وابنها في إحدى العمليات التي أمر بها "أبو سيف"، وتسللت إلى قصر نور الدين. وقفت أمام بوابته الشاهقة، قلبها يخفق بالغضب والألم، وعيناها تشتعلان بالدموع. طلبت مقابلة الشيخ، لكن الحراس رفضوا، وأمروها بالانصراف.
صرخت الأرملة بصوت يملأه اليأس: "قولوا له إن أرملة "أبو عبد الله" تنتظره! قولوا له إن دماء زوجي وابني تطارده!".
وصل صدى صراخها إلى مسامع نور الدين، الذي كان يجلس في مكتبه الفخم، يتصفح كتاباً عتيقاً. عبس الشيخ قليلاً، ثم أمر بإدخالها.
وقفت الأرملة أمام نور الدين، شامخة رغم حزنها، ونظرت إليه نظرة تحدٍّ. قالت بصوت مرتجف: "أتيت إليك يا شيخ، لأفهم كيف عدت هكذا؟ كيف تنعم بالحياة بعد كل الدماء التي سفكت؟ أين العدل؟ أين حق الأبرياء؟".
نظر إليها نور الدين ببرود، وقال بصوت هادئ: "يا ابنتي، الله غفور رحيم. وقد تبتُ عن كل ما مضى. الوطن بحاجة إلى أبنائه، وقد عدت لأخدمه".
ضحكت الأرملة ضحكة مريرة وقالت: "تخدمه؟ بعد أن دمرته؟ بعد أن يتمت أطفاله ورملت نساءه؟ العفو يا شيخ ليس سلعة تباع وتشترى، وليس حكراً على أصحاب النفوذ. العفو عدل، والعدل لم يطرق بابي ولا أبواب أمثالي".
خرجت الأرملة من القصر والليل يلفها، وقلبها مثقل باليأس. نظرت إلى السماء الملبدة بالغيوم، وتساءلت: "إلى متى سيظل ميزان العدل أعرجاً؟ إلى متى ستُدهن أيادي الجناة بدماء الضحايا؟".
في اليوم التالي، انتشر خبر زيارة الأرملة للقصر في المدينة. انقسم الناس بين مؤيد لنور الدين ومعارض له. البعض رأى فيه تائباً عاد إلى رشده، ويستحق فرصة جديدة. والبعض الآخر رأى فيه مجرماً لا يمكن أن يغفر له التاريخ جرائمه.
أما نور الدين، فقد ظل في قصره، محاطاً بهالته المصطنعة من الاحترام والتقدير، بينما كانت أصوات الضحايا تتعالى في أزقة المدينة، شاهدة على عدالة غائبة، وميزان أعرج، لا يقيم وزناً إلا لمكانة الجاني ونفوذه.