داخل أسوار قصر "الرماد" المنيف في عاصمة جمهورية أيراتون (طوشكاون)، يتربع الملك ينازق مترفاً، تظله الجوارح والغربان الكثيفة التي تحجب عنه ضياء الشمس، وينظر مبتسماً إلى لوحته الزجاجية الكبيرة، البراقة والزاهية، المغطاة بـ "الورود الاصطناعية" ومكتوب عليها "تعهداتي". وبجانبه تتحلق حاشيته وهم يمضغون له الكلام وينمقون له الخطب تملقاً، وبين يديه قوائم من لحم الإبل تُطهى في فرن "الوعود" الذي ينفث دخانه تلقائياً ليعبر الأسوار. ومن الأبواب الخلفية، يدخل الخدم والبطانة بخفة، ثم يمرقون كاللصوص هرباً من وعودٍ قديمة زعمت أن آخر مواطن في الأحياء الفقيرة سيأكل من هذا المشوي، لكنهم لا يتركون خلفهم سوى السراب.
وخارج الأسوار، يتحول وادي المرايا إلى مدينة تفوح بضباب المشوي الذي يغطي سماء طوشكاون كالغيوم، حيث يرتطم المواطنون بظهر تلك اللوحة الزجاجية، فيقرؤون في شعار أحلامهم: "يتداعهت". هناك انطفأت "نار القرى" واستحالت الديار جحوراً تموت فيها الفئران جوعاً، لتزكم جيفها الأنوف وتختلط بضباب الشواء الذي لا يطعم بطوناً، وسط نعيق الغربان الذي يملأ الفراغ.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى



