أخذَتْ مني الصحافة كل شيء، إلا عبادتي ونسكي خلف أفكار الزهد والتصوف والروحانيات. أخذَتْ مني وقتي وفكري الذي عشته منذ عشرين عاماً خلف الماضي وسراب الذكريات، سلبت مني ألحاظي وبنات الكلمات، فمنذ شابَ رأسي آنست نوراً يدب بجسمي، فَعَلَا عقلي، وعَلَى قلبي أزيحت غشاوة من الظلم والظلام، غطت أرجاء روحي، فأضاء الشيب أمام طريقي ما أضاع عمر شبابي.
أدمَنْتُ فن الكتابة الصحفية بجميع الأساليب، وأثخنتُ جميع الحروف، ولكنها عاقرَتْ مواهبي وملأت وقتي موظفاً "بلا راتب" تتقمصه المهن وتطارد أحلامه الكوابيس، في مرافعة القاضي، ودفاع المحامي، ومحاضرات البوليس، رهين المواعظ وتحقيق العدالة والحرية المشروطة بعشق صاحبة الجلالة التي تحولَتْ -في بلادي- إلى بَغِيَّةٍ اتهموها بالزنا بالكلام، لمن تحرشوا بها واغتصبوا قصرها وعاشروها بالكتابة.
قصتي معك يا أسيرة القصور، قصة كاتب مقهور، بعسس المخابرات عبداً -مأجوراً- لمن يُمْلِل عليه مأمور، فحولَتْني عيونك إلى ببغاء داخل قفص مأسور. قصتي معك قصة حب فاشل، وزواج قهر مذل خلف القضبان، لأنك امرأة تكسرت مرآة مساحيقها على الممرات والأزقة والجدران.
فلا أنتِ مطلقة من فكري ولا معلقة بوجداني، ولكنك لن تأخذي مني صلاتي بتجهدي لله، وتصوفي عن اللاهي، لن تأخذي مني لواء جدي ولا عباءة أبي وعصا محرابي، التي جعل لي فيها ربي مآربي.
ولن تحوليني إلى ميدوزا.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى
بتاريخ: 5 مارس 2019
سلسلة: يحياويات




