إلى سيدي عالي بلعمش

اثنين, 01/06/2026 - 09:22

قرأت مقالك الموسوم بـ«التاريخ أكبر من أضغاث أحلامكم»، ووجدت فيه الكثير من الأحكام الجازمة والقليل من الحقائق التي يمكن أن تصمد أمام النقاش الموضوعي.

أنت تتحدث عن التاريخ وكأنك تملك حق تفسيره وحدك، بينما التاريخ في حقيقته أكبر من أن تحتكره رواية واحدة أو رؤية واحدة أو فئة واحدة. والتاريخ الذي تستند إليه لا يمكن أن يتحول إلى أداة لتبرئة طرف بالكامل وإدانة طرف آخر بالكامل، لأن الوقائع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

لقد حاولت في مقالك أن تنقل المسؤولية عن جريمة العبودية إلى الآخرين، وكأن مشاركة بعض المجموعات الإفريقية في تجارة الرقيق تعني براءة كل من استفاد من هذه المنظومة أو ساهم في استمرارها. وهذا منطق لا يستقيم تاريخياً ولا أخلاقياً، لأن تعدد المشاركين في الجريمة لا يعفي أي طرف من مسؤوليته عنها.

كما أنك تنتقل من الاعتراف بوجود العبودية إلى الادعاء بأن آثارها اختفت تماماً من المجتمع، وكأن القرون الطويلة من التراتبية الاجتماعية والحرمان يمكن أن تزول بمجرد إصدار القوانين. والحقيقة أن معالجة آثار الماضي تبدأ بالاعتراف بها لا بإنكارها.

وفي الوقت الذي تدعو فيه إلى الوحدة الوطنية، تمتلئ مقالك بالأوصاف الجارحة والتصنيفات والإقصاء والتشكيك في نوايا المخالفين. فالوحدة الوطنية لا تُبنى بتخوين الناس ولا بالسخرية منهم، وإنما ببناء الثقة والاعتراف المتبادل والاحتكام إلى القانون.

أما حديثك عن أن كل من يطالب بإنصاف المظلومين أو يناقش الاختلالات الاجتماعية إنما يخدم أجندات خارجية، فهو خطاب استُهلك كثيراً ولم يعد يقنع أحداً. فحب الوطن لا يعني الصمت عن مشاكله، كما أن المطالبة بالعدالة لا تعني العداء للوطن.

إن موريتانيا ليست ملكاً لأحد دون أحد، ولم يصنع تاريخها مكون واحد دون غيره، بل هي وطن لجميع أبنائها. وأي خطاب يوحي بالتفوق أو الامتياز التاريخي أو الاجتماعي لفئة على حساب أخرى لا يخدم الاستقرار ولا يعزز التعايش.

لقد أثبتت تجارب الأمم أن مواجهة الماضي بشجاعة هي الطريق إلى المستقبل، أما إنكار الحقائق أو التقليل من معاناة الآخرين فلن ينتج إلا مزيداً من الاحتقان وسوء الفهم.

أختلف معك لأنني أؤمن أن التاريخ ليس أداة للهيمنة، بل وسيلة للفهم. وأؤمن أن المواطنة لا تقوم على اللون ولا النسب ولا الانتماء الاجتماعي، بل على المساواة في الحقوق والواجبات والكرامة الإنسانية.

والتاريخ الذي تتحدث عنه لن يكتبه المنتصرون في الجدل، بل ستكتبه الحقائق التي تبقى عندما تنتهي الضوضاء..

محمد محمود حياك