
استكمالاً لما خيّمه الظلام على قاعة "طُوشْكَاوْنْ" في خاتمة عُهْدَةِ مشهدِ الحكمِ الماضي، حيث انطفأت المشاعل ليتولى العتمة رسم البرزخ الفاصل بين عهدين؛ تقدم كبير أعيان بلاد الكوش وسط هذا السكون الحذر؛ ألقى عمامته الكبيرة مغاضباً وهو يصرخ بعبارته التي ظنها طوق نجاة: "أرضُنا، قرارُنا، وعهدُنا لا يُباع!". في تلك اللحظة، تبادل "الدَّلال" نظراتٍ متوجسة مع كبير الأعيان؛ كان الدلال يهمسُ بخرائط النفوذ المنهارة، بينما الآخر يراقب بريق العهد الذي يتبدد في عينيه، قبل أن يسود صمتٌ أطبق على المكان. لم تشفع له تلك النظرات؛ فقد وصلتهم دعواتٌ رسمية مُذيلة بـ"البطاقات المذهبة"، فأقبل أولئك العلوج في سياراتهم الفارهة يبتسمون، يظنون أن "صاحب البدلة الترابية" يستدعيهم ليعيد لهم مكانتهم القديمة ويُرمم معهم أطلال عهدهم الذي تهاوى.
في تلك الأثناء، كان صاحب العرش المستعار يرتجف في مركزه المظلم، بينما كان هؤلاء يتوافدون بزهوٍ زائف، يظنون أن بريق "البطاقات" سيفتح لهم أبواب المجد الغابر. لكنهم بمجرد دخولهم، وجدوا أنفسهم محاصرين بحراسٍ غلاظٍ شداد، أرغموهم تحت تهديد الوعيد على استهلاك كل ما نهبوه وقايضوا به في عُهْدَةِ مشهدِ الحكمِ الماضي؛ من براميل البنزين وأرتال "أكباش الشرق" المرفوعة بـ"فستق بلاد الكوش"، متبوعة بـخنشات الأرز التي حُشيت في جوف تلك الوليمة القسرية. استمر الإطعام حتى تخمت البطون، وباتوا يتلوّون في عتمة القاعة، يضعون أيديهم على بطونهم، يدركون متأخرين أنهم قد أُطعموا ليوثقوا في قيد الوجبة، وأن "الزمن القديم" لم يكن سوى خديعةٍ أخيرة؛ فكان المشهد ختاماً لمرحلةٍ سادت فيها صفقات الأرصفة والمواقف.
جرى سوقهم بعد ذلك ودفعهم في غيابات غياهب سردابٍ سفليٍّ مظلم حُفر تحت القصر، ليلتحقوا بمن سلف من مفسدي وادي المرايا. لقد أُودعوا في ذلك القبو كـ "جيش احتياطٍ سياسي"، تُخزنهم هندسة دولةِ إِينَاتِيرُومْ؛ مستودعٌ لا يغادرون عتمة نسيانه إلا متى ما دعت حاجَةٌ لإعادة تعبئتهم وتدويرهم لوجه المشهد من جديد بعد لَأْيٍ وحين.
وسط هذا الأنين الصاخب، بلغ صاحب البدلة الترابية "نخلة القصر" في طُوشْكَاوْنْ، يطرق الأرض بوقعٍ رتيبٍ يتردد صداه، فصعد إلى حيث ثمار العرش التي نالتها مناقير الطيور بقضماً وفساداً قبل أوان قطافها، وبضربةٍ من قمتها، أسقط العرش على الأرض أمام الحاشية المتأوهة. بقي فعلُه هذا معلقاً في عرف المرآة؛ بين من يراه انتزاعاً للحق، ومن يراه اقتطاعاً يظللُه التساؤل عن مدى انسجامه مع موازين الصناديق التي خفت صوتها.
أما صاحب العرش القديم، فقد تهاوى أثره، وصدر بحقه ما يشبه النفي إلى أقاصي دولةِ إِينَاتِيرُومْ الشرقية، ذات الثقل الديمغرافي المُمَيِّلِ لِكِفَّةِ التوازن، حيث كان يُهمشُ مَنْ أتوا به إلى سدة الحكم. أُوثق وسيق عبر الفيافي ليُلقى في حفرةٍ طينية داخل منزلٍ جدرانُه مُمَلَّطَةٌ باللاَّزِبِ وفضلاتِ الأبقار، ليختنق بتلك الرائحة الآسنة؛ حيث بات يردد خوار البقرِ في عزلتِه، إذ لا أثر لعمرانٍ كان يوعد به، ليمضي ما تبقى له هناك معزولاً، يواجهُ حصاد تدبيره ووجه الأرض الحقيقي.
ومع خيوط الفجر، انقشع الغبار عن واجهة طُوشْكَاوْنْ، لتنبت ملامح العهد الجديد من تراب إِينَاتِيرُومْ الخالص. لكن المرآة أبقت الجذع عارياً، بينما يظل أولئك في غيابات الثرى محجوزين يتلوّون، عاجزين عن العودة للمشهد مجدداً. وغاب وجه الجالس الجديد وتلاشت ملامحه خلف حجب التكهنات، ليترك العرش لغزاً معلقاً بين حسم البدلة الترابية وزحف الصناديق المنسية، كاشفةً زيف العروش التي تتساقط كأوراق الخريف في وادي المرايا.




