وزارة الثقافة والفنون والاتصال آخر من يعلم.. حين يصبح المرض والفقرهو العنوان الحقيقي للصحافة الموريتانية

أربعاء, 29/07/2026 - 13:55

حين يمرض إعلامي في موريتانيا، يحدث ما يشبه البروتوكول السري المحفوظ: زملاؤه يجمعون له ثمن الدواء، ومواقع التواصل تضج بمناشدات العلاج، وأسرته تطرق كل الأبواب.. إلا باب وزارة الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، لأن الجميع يعرف أنها ستكون آخر من يعلم، وآخر من يتحرك.

ليست هذه مبالغة بلاغية، بل هي خلاصة معاناة جيل كامل من الإعلاميين الذين تحولوا من صناع للرأي العام إلى حالات إنسانية تستجدي الرحمة.

الوجه الحقيقي للأزمة: إسمـان يختصران المأساة

1- الإعلامي الكفيف محمد الأمين يحيى:

رجل تحدى فقدان البصر ليتمسك بالكلمة، اختار أن يكون صوتا لمن لا صوت لهم، لكنه اليوم يصارع المرض والعوز وحيدا. ماذا قدمت له الوزارة التي ترفع شعار "دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في الإعلام"؟ هل وفرت له تأمينا صحيا يليق بتضحيته؟ هل خصصت له راتبا يحفظ كرامته كرمز للإرادة؟ الجواب يعرفه كل صحفي في نواكشوط: لا شيء. يترك ليصارع القدر وحيدا، وتتكفل به مبادرات الزملاء.

2- الإعلامي إلياس محمد - المدير الناشر لموقع الإعلامي:

إلياس ليس مجرد اسم، هو مؤسسة. من دشن مرحلة جديدة في وكالة الإعلامي الإخبارية وفتح المجال للصحفيين للعمل بحرية وطرح القضايا الكبرى للنقاش. الرجل الذي كتب عن الوحدة الوطنية بأنها "السقف الذي يحمي كل بيت موريتاني" وعن النسيج الاجتماعي وعن الباكالوريا والمولد النبوي، هو نفسه اليوم نموذج للإعلامي الذي أفنى عمره في المهنة بلا شبكة أمان.

المدير الناشر لموقع الإعلامي الذي يفترض أن يكون في وضع اعتباري مستقر، يجد نفسه هو الآخر ضمن دائرة الإعلاميين المعوزين الذين إذا مرضوا لا يجدون من يطرق بابه. أي رسالة توجهها الوزارة حين يصبح مدير مؤسسة إعلامية معروفة في حاجة؟

هذان الاسمان ليسا استثناء، هما القاعدة التي تكشف القاع.

وماذا عن المتقاعدين؟ 15 متقاعدا من الموريتانية خرجوا العام الماضي ليقولوا إن التلفزة ترفض دفع ديون الضمان الاجتماعي، وأنهم يملكون الأدلة رغم محاولات طمس الحقائق. أفنوا شبابهم في التلفزة، واليوم يتوسلون حق الدواء.

 

منظمة مراسلون بلا حدود لخصت الوضع: منذ إلغاء تجريم المخالفات الصحفية 2011، الصحفي يعمل في بيئة أقل قمعا، لكنه يعيش "هشاشة كبيرة". والهشاشة تعني أن تمرض فتموت فقيرا.

 

لماذا الوزارة آخر من يعلم؟

لأنها بلا قلب اجتماعي: تعرف عدد التراخيص، ولا تعرف عدد الصحفيين المرضى.

لأن صندوق الدعم أصبح صندوق ولاء: يذهب للمؤسسات لتلميع الصورة، ولا يذهب لعلاج محمد الأمين يحيى أو لدعم إلياس محمد.

لأنها بلا آلية استعجال: لا يوجد صندوق تكافل، لا لجنة طوارئ صحية، لا اتفاقية مع المستشفيات..

الوزارة التي يجب أن تكون الأم، أصبحت مجرد متفرج يأتي بعد نهاية المأساة ليقرأ الفاتحة علي أرواح الصحفيين.قبلها أما الزيارة التي لا قبلها تحضير ولا بعدها أثر زيارة الوزيرالحسين ، فهي إهانة إضافية للصحفي المريض، لأنها تذكره أنه مجرد ديكور في أجندة الوزير.وهذه لعمري مآساة أخري...

كلمة أخيرة ومطالب واضحة

كرامة الإعلامي ليست شعارا يرفع في افتتاح يوم تشاوري.

نطالب اليوم، وباسم كل مريض ومعوز:

أولا: إنشاء سجل وطني اجتماعي للصحفيين يبدأ بمحمد الأمين يحيى وكل الحالات المماثلة، وتأمين صحي شامل إجباري.

ثانيا: اقتطاع 30% من صندوق دعم الصحافة لصندوق الكرامة لعلاج الإعلاميين، يدار بشفافية من النقابة والوزارة.

ثالثا: تسوية فورية لديون متقاعدي الصحافة، واعتبار حالة الإعلامي الكفيف محمد الامين يحي أولوية وطنية.

إذا كان الإعلامي الكفيف الذي أبصر بعين قلبه طريق الصحافة، ومدير موقع الاعلامي الياس محمد الذي أفنى عمره في الدفاع عن قضايا الوطن، يتركان للمرض والعوز، فعلى ماذا تراهن الوزارة؟ على صحافة بلا صحفيين؟

الصحافة لا تموت حين يصادر مقال، بل حين يترك الصحفي يموت جوعا ومرضا وكل الوزارة مشغولة بتنظيم المهرجنات. العبثية