
ليس في مساء القصر الرمادي ما يشبه العادة. فحين يفتح فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نافذة السؤال المباشر أمام الرأي العام، فإن البلاد لا تصغي إلى خطاب دعائي بقدر ما تنصت إلى امتحانٍ سياسيٍّ مكشوف: امتحان الدولة أمام مواطنيها، وامتحان الحكومة أمام أعصاب شارعٍ أنهكته الانقطاعات وتعبت فيه الثقة من كثرة الوعود وقلة الأثر. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الكلام إنشائيًا، بل ميزانًا تُوزن به الجدية بقدر ما تُوزن به المسؤولية.
الأزمة التي تتقدّم اليوم ليست أزمة قطاع واحد، بل خلل في سلسلةٍ كاملةٍ من الخدمات السيادية التي تمسّ حياة الناس في الصباح والمساء: الطاقة، الماء، الكهرباء، والتعليم. وهذه القطاعات ليست ملفات تقنية معزولة، بل هي أعمدة الشرعية اليومية للدولة؛ فإذا اضطرب عمودٌ واحد، اهتزّت معه صورة الحكومة، وإذا تتابعت الأعطال في أكثر من عمود، صار الارتباك رأيًا عامًا. وتؤكد المعطيات الرسمية أن قطاع الكهرباء ما يزال يواجه فجوة حقيقية بين العرض والطلب، وأن البلاد كانت تعتمد تاريخيًا على الوقود الثقيل والديزل، ما جعل الكلفة عالية والهشاشة أكبر.
#الطاقة| تبدو الأرقام أكثر بلاغة من الخطب. فقد أوضح وزير الطاقة والنفط محمد ولد خالد أمام البرلمان، في يناير 2026، أن الحكومة اعتمدت رؤية طاقوية تقوم على ثلاثة محاور: توسيع القدرات الإنتاجية، وتطوير النقل والتوزيع، وتحسين أداء الجهاز التنفيذي، مع اعتماد حلول استعجالية وإصلاحات هيكلية في آن واحد. كما كشف أن تجربة العدادات الذكية في نواكشوط شملت 15 ألف عداد في المرحلة التجريبية، على أن تُضاف 63 ألفًا في المرحلة الثانية، وأن القدرات المتجددة المُجمَّعة بالشراكة مع الخواص وصلت إلى 220 ميغاواط.
والأهم من ذلك أن الحكومة نفسها أقرت بأن السيادة الطاقوية لا تُبنى بالشعارات، بل بتدبيرٍ صارمٍ للمزيج الطاقوي وبربط القرار السياسي بالتمويل والإنجاز. فقد أوضحت الوكالة الموريتانية للأنباء أن الدراسات الاستراتيجية المنجزة بين 2019 و2023 ساعدت على بلورة رؤية متكاملة لقطاع الطاقة، تقوم على تثمين الموارد الوطنية وتقليص الاعتماد على الاستيراد وتعظيم مردودية النفط والغاز لصالح الاقتصاد الوطني. وفي السياق نفسه، ذكرت معطيات دولية حديثة أن موريتانيا وقّعت اتفاقية بقيمة 300 مليون دولار لمحطة هجينة للطاقة الشمسية والرياح بقدرة 160 ميغاواط شمسية و60 ميغاواط رياح، مع تخزين 370 ميغاواط/ساعة، على أن تدخل الخدمة في سبتمبر 2026، رغم هذه الارقام الصالحة للاستهلاك الاعلامي والهرتقة السياسية إلا أن مشاهد طوابير الاف المواطنين امام محطات البنزين، وارتباك الوزارة وفساد لجنة SMH تشير إلى عجز كبير وفشل ذريع.
أما الكهرباء فهي الامتحان اليومي الذي لا يسمح بالمناورة. فثمة بيانات منشورة تشير إلى أن نحو 45% من السكان ما زالوا محرومين من الإمدادات الكهربائية، بينما بلغ الطلب 2.02 تيراواط/ساعة في مقابل إنتاج فعلي أقل، مع وصول أقصى حمل إلى نحو 500 ميغاواط في ذروة صيف 2024. هذه ليست أرقامًا تصلح للزينة الإحصائية، بل دلائل على أن الشبكة الوطنية لم تعد تحتمل الترميم الجزئي، وأن المطلوب هو انتقال حقيقي من سياسة إسعاف الأعطال إلى سياسة بناء المنظومة.
#الماء| تبدو الصورة قاتمة حيث عادت مشكلة الطمي من جديد رغم الاستعراض الكروميتري الذي يبثه الموقع الرسمي لوزارة المياه والصرف الصحي ما يقول أنها إنجازات تراكمت بين 2019 و2024، من بينها 314,173 مترًا مكعبًا من الإنتاج اليومي، و4,466 كيلومترًا من أنابيب النقل والتوزيع، و835 قرية تم تزويدها بالماء، و23 سدًا تم إنجازها. هذه أرقام مهمة، لكنها لا تعني النجاح؛ لأنها تُظهر أيضًا أن الطلب الحضري والريفي يتوسع أسرع من قدرة الشبكات على الاستجابة، وأن مشكلة الماء في موريتانيا لم تعد فقط مشكلة إنتاج، بل مشكلة عدالة في التوزيع واستدامة في الخدمة وصرامة في الصيانة.
#التعليم| وصدمة 55 ألف راسب في نيل شهادة البكالوريا لعام 2026 ضف إلى ذلك أن عدد التلاميذ في موريتانيا اقترب من مليون، بينهم 750,385 في الابتدائية، وأكثر من 200 ألف في الإعدادي والثانوي، مع ما يقارب 998 مدرسة خصوصية و67,034 تلميذًا في التعليم الخاص. وهذه الكتلة البشرية الضخمة لا يمكن إدارتها بمنطق الترقيع؛ لأن المدرسة حين تتسع من دون تأهيل موازٍ للبنية والتكوين والحوكمة، تتحول من أداة للترقي الاجتماعي إلى مختبر للتفاوت والإحباط.
من هنا، فإن الحديث عن تعديل بات ضرورة لتصحيح المعادلة قبل أن تتسع الفجوة بين الدولة ومجتمعها. فحين تتجاور التعثرات في الكهرباء والماء والتعليم، فإن المشكلة لا تعود في الأشخاص فقط، بل في هندسة القرار نفسه، وفي العلاقة بين المسؤولية والمحاسبة، وفي قدرة الحكومة على تحويل الأهداف المعلنة إلى مؤشرات ملموسة. والتعديل في هذه اللحظة، إذا أُحسن توجيهه، يمكن أن يكون أداة إنقاذ لا مجرد إعادة توزيع للمقاعد.
#الصحة| تبدو الخطوة التي يقودها وزير الصحة المهندس تيام تجاني أكثر انسجامًا مع منطق التحديث المؤسسي، خصوصًا مع التحضير لإعادة هيكلة القطاع وملء الفراغات وفتح المجال أمام وجوه جديدة. ومن بين الأسماء المطروحة: الإداري المدني الشيخ عاشور أمينًا عامًا لوزارة الصحة خلفًا للسيدة بنت منكوس، والدكتورة افضيلي الصادق مديرة للمختبر الوطني، ووحيدة عاليون مديرة عامة للمركز الوطني للتأهيل الوظيفي، وسيدي أحمد الدحدي مديرًا للمعهد الوطني للبحوث في مجال الصحة العمومي. هذه الأسماء، إن قُرئت في سياقها الصحيح، تمثل انتقالًا من منطق التسكين إلى منطق الدفع بالكفاءات.
غير أن جوهر المسألة لا يكمن في تبديل الوجوه وحده، بل في بناء مناخ إداري لا يسمح بتكرار أخطاء الماضي. الدولة تحتاج اليوم إلى حكومة تُقاس بقدرتها على تقليل الأعطال، لا بكثرة البيانات؛ وإلى وزراء يشتغلون بمنطق النتائج، لا بمنطق التبرير؛ وإلى إدارة تعرف أن المواطن لا يطلب المعجزات، بل انتظام الماء والكهرباء، وحسن المدرسة، ودواءً يجد طريقه إلى المستشفى قبل أن يفقد المريض ثقته في المؤسسة.
Sultan Elban سلطان البان
24-07-2026
LONDON -CCCU




