
تتداول بعض الأوساط في الأيام الأخيرة أنباء عن نية تبني قرار يقضي بتخفيض نسبة النجاح في البكالوريا، سواء عن طريق رفع عتبة النجاح أو التشدد المتعمد في التصحيح أو تقليص مقاعد الناجحين. وبغض النظر عن مدى صحة هذه الأنباء من عدمها، فإن مجرد التفكير في هذا المنطق يمثل جريمة تربوية وأخلاقية واجتماعية مكتملة الأركان، لا يمكن السكوت عنها.
إن البكالوريا ليست مجرد امتحان عادي، بل هي عقد اجتماعي بين الدولة والتلميذ والأسرة. التلميذ يقضي 12 سنة من عمره في مقاعد الدراسة، وتدفع أسرته الغالي والنفيس من أجل لحظة الفرح بالنجاح، والدولة يفترض أنها تسعى لتكوين جيل متعلم يحمل مستقبلها. فكيف يتحول هذا العقد إلى أداة إقصاء مقصودة؟
أولا: منطق معكوس
الدول التي تحترم نفسها لا تفكر في كيفية تقليل عدد الناجحين، بل في كيفية رفع مستوى التعليم ليستحق الجميع النجاح. عندما تكون نسبة الرسوب مرتفعة، فالمشكل ليس في التلميذ، بل في المنظومة نفسها: في برامج متهالكة، وأقسام مكتظة، وأساتذة مرهقين، وغياب للتكوين والتأطير.
أن تعالج فشل المنظومة بمعاقبة التلميذ وتخفيض نسبة النجاح، كمن يغطي فشله في علاج المريض بقتله لكي لا تظهر أعراض المرض.
ثانيا: الأبعاد الخطيرة لهذا القرار
1. اغتيال نفسي واجتماعي: آلاف التلاميذ سهروا الليالي، وحرموا أنفسهم من الراحة. قرار كهذا سيحطم أحلامهم ويدفعهم مباشرة إلى الشارع والبطالة والهجرة واليأس. كم من تلميذ سيكون هذا القرار هو رصاصة الرحمة على مستقبله؟
2. تكريس الطبقية التعليمية: عندما تخفض نسبة النجاح بشكل مصطنع، من سينجح؟ سينجح فقط أبناء الأسر الميسورة الذين يدرسون في مدارس خصوصية ويأخذون دروس تقوية بآلاف الأوقية. أما أبناء الفقراء في المدارس العمومية، فسيكونون أول ضحايا هذه المقصلة.
3. تشويه لسمعة الشهادة الوطنية: البكالوريا شهادة استحقاق، معيارها الوحيد هو التحصيل العلمي. إذا أصبح النجاح يخضع لحسابات الكوتا والنسب المئوية المقررة سلفا، فقدت الشهادة مصداقيتها داخليا وخارجيا.
4. هروب من الحل الحقيقي: بدلا من أن نسأل: لماذا ينجح 20 ألف طالب ولا تجد لهم الجامعة مقاعد؟ ولماذا يتخرج حامل البكالوريا وهو لا يتقن الكتابة؟ نلجأ للحل الأسهل: قللوا عدد الناجحين وانتهت المشكلة.
ما هو الحل إذن؟
إذا كانت الدولة تشتكي من ضعف مستوى الخريجين، فالحل ليس في تخفيض النسبة، بل في:
إصلاح جذري للمناهج من الابتدائية، لا انتظار البكالوريا للانتقام.
تحسين ظروف التصحيح وضمان العدالة والإنصاف، لا التشدد الظالم.
توجيه الناجحين توجيها حقيقيا نحو التكوين المهني والمعاهد التي يحتاجها سوق العمل، بدلا من حشر الجميع في الجامعة.
محاربة الغش بصرامة، فليس من العدل أن يساوى من سهر ومن غش، لكن محاربة الغش تكون بالرقابة، لا بتخفيض نسبة الجميع.
إن البكالوريا حق لمن تعب واجتهد، وليست منة تمنحها الوزارة لمن تشاء وتمنعها عمن تشاء. تخفيض نسبة النجاح بشكل متعمد هو قرار غير دستوري يضرب مبدأ تكافؤ الفرص، وغير تربوي يهدم الثقة بين التلميذ ومدرسته، وغير أخلاقي يتلاعب بمصير جيل كامل.
نطالب وزارة التهذيب الوطني بنفي هذه الأنباء بشكل واضح وصريح إن كانت شائعة، والاعتذار عنها إن كانت فكرة مطروحة. فمستقبل أبنائنا ليس حقل تجارب، ونسبة النجاح ليست رقما في مكتب مكيف، بل هي دموع أمهات وآباء وسهر ليال طويلة.
اتركوا أبناءنا يتنافسون بشرف، ومن يستحق النجاح فليأخذه، ومن لم يستحق فليرسب بجهده، لا بقرار فوقي جائر.




