تعديلات جوهرية على قانون الخدمة العسكرية

جمعة, 12/06/2026 - 17:12

.في خطوة حملت طابع المراسيم الإدارية الروتينية لكنها انطوت على أبعاد سياسية بالغة الحساسية أجرى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني تعديلات جوهرية على قانون الخدمة العسكرية. قضت هذه التعديلات بتمديد سنة إضافية للضباط الساميين واستحداث رتبة فريق أول ما يتيح لبعض القيادات النافذة البقاء في الخدمة حتى عام 2032 مقابل تمديد الخدمة للجنود وضباط الصف بسنتين

​يكشف هذا التقرير بناء على تقاطعات المشهدين الداخلي والإقليمي أن هذه الإجراءات تتجاوز مجرد تنظيم داخلي للمؤسسة العسكرية، لتشكل هندسة استباقية لتأمين الولاء وضمان الاستقرار السياسي عبر حزمة استرضاء شاملة لكافة فئات الجيش في توقيت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية وإقليمية حرجة

اذ ​تمثل رتبة فريق أول المستحدثة النواة الصلبة في هذه التعديلات إذ كانت المؤسسة العسكرية الموريتانية المحكومة بتراتبية دقيقة، تواجه معضلة إحالة جيل كامل من بناة الاستقرار الحالي إلى التقاعد الإجباري خلال المدى القريب

​يمنح هذا التمديد طويل الأجل الرئيس الغزواني وهو الجنرال ووزير الدفاع السابق القدرة على الاحتفاظ بالحرس القديم وشبكة الأمان العسكرية الموثوقة المحيطة به من دون الحاجة للدخول في مغامرة إحلال قيادات جديدة قد لا تكون توازنات ولائها مضمونة كما أن بقاء الجنرالات الحاليين في مناصبهم لسنوات قادمة يغلق الباب أمام التنافس الداخلي الحاد بين ضباط الصف الثاني للوصول إلى القيادة وهو التنافس الذي كان تاريخيا شرارة لعدم الاستقرار السياسي في البلاد

​تكمن الديناميكية الذكية في هذه القرارات في عدم حصر الامتيازات في نادي الجنرالات بل تعدتها لتشمل القاعدة العريضة عبر تمديد خدمة الجنود وضباط الصف بسنتين وهو ما يحقق توازناً دقيقاً يتوزع بين مستويين

​المستوى الأول يشمل الجنرالات والضباط الساميين من خلال تمديد الخدمة سنة واستحداث رتبة فريق أول مما يضمن الحفاظ على النفوذ استمرار الامتيازات العليا، وتأمين الولاء السياسي المطلق. والمستوى الثاني يستهدف الجنود وضباط الصف عبر تمديد الخدمة بسنتين، مما يحمي الاستقرار المعيشي في ظل التضخم، ويضمن استمرار الرواتب والمزايا الوظيفية تواجه موريتانيا ضغوطا اقتصادية متزايدة وتراجعاً في القدرة الشرائية وتحصين المداخيل المالية لأفراد الجيش يمنع أي تململ اجتماعي أو معيشي من التسرب من الشارع إلى الثكنات

​لا يمكن فصل قرارات الغزواني عن محيط موريتانيا المضطرب إذ تعيش منطقة الساحل الإفريقي في مالي والنيجر وبوركينا فاسو على وقع انهيار الأنظمة المدنية وتوالي الانقلابات العسكرية وصعود نفوذ الجماعات المسلحة وعناصر فاغنر على الحدود الشرقية للبلاد

​تتأسس هذه الخطوة على عقيدة الاستقرار المستدام حيث يرى النظام الموريتاني أن نجاحه في البقاء بمنأى عن عدوى الانقلابات الإقليمية يعود أساساً إلى تماسك مؤسسته العسكرية والرضا العام داخلها. كما تحمل القرارات رسالة حزم واضحة للخارج في ظل التنافس الدولي المحموم في المنطقة مفادها أن قيادة الجيش الموريتاني مستقرة مستمرة وغير قابلة للاختراق أو المفاجآت حتى العقد المقبل

​تثبت هذه الإجراءات أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يدير الدولة بعقلية القائد الذي يعرف تماماً كلفة تحصين الجبهة الداخلية للجيش. إنها محاولة هندسية دقيقة لشراء الوقت والاستقرار عبر معادلة الامتيازات المتبادلة مقابل الولاء الكامل

​وفي وقت تمر فيه البلاد بملفات سياسية واقتصادية معقدة يبقى الجيش هو اللاعب الحاسم والمصحح في المشهد الموريتاني وبهذه التعديلات ضمن النظام أن تظل دفة القيادة العسكرية بيد حلفاء موثوقين لسنوات طويلة قادمة مجهضا أي احتمالات لمفاجآت سياسية غير محسوبة

محمد جناح