الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الموريتاني حننه ولد سيدي إلى باماكو تقرأ ظاهريا أنها “رسالة خطية” بين رئيسين، لكنها في العمق السياسي هي حلقة جديدة في مسار دبلوماسي-أمني مضطرب تحكمه ضرورات الجوار أكثر مما يحكمه دفء الثقة. فهي تأتي في لحظة حساسة من تاريخ العلاقة الموريتانية-المالية، حيث تحاول نواكشوط وباماكو، رغم تراكم الشكوك والاحتكاكات الحدودية، إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة لتفادي انزلاق أزمة أمنية إلى قطيعة سياسية.
فمنذ عقود ظلّ البلدان يقدمان نفسيهما بوصفهما شريكين طبيعيين بحكم الجغرافيا والتداخل الاجتماعي والحاجة الاقتصادية، لكن هذا “المنطق الطبيعي” بدأ يتآكل تدريجيا مع انقلاب المعادلات الأمنية في الساحل، وتصاعد هشاشة الحدود الطويلة التي تتجاوز 2200 كيلومتر، ثم تحوّلها إلى فضاء تتقاطع فيه الرعي والهجرة والتهريب والاختطاف والردع العسكري. وقد سبق للبلدين أن شجّعا التعاون المؤسسي عبر اتفاقيات ومشاريع مشتركة، لكن تلك الأرضية لم تصمد أمام التوترات المتراكمة عندما صار الأمن الحدودي عنوان الأزمة بدل أن يكون مجال التعاون.
المنعطف الأهم في الذاكرة القريبة كان مع تصاعد الاحتكاكات منذ مطلع 2023 ثم انفجارها في ربيع 2024، حين تكررت اتهامات متبادلة ومخاوف موريتانية من اعتداءات طالت مدنيين ورعاة في المناطق الحدودية، بالتوازي مع دخول عناصر من “فاغنر” إلى المشهد الأمني المالي وما رافقه من ارتباك في قواعد الاشتباك والضبط الحدودي. وفي تلك المرحلة، لم تعد الرسائل الدبلوماسية مجرد بروتوكول، بل صارت أداة لاحتواء الغضب ومنع انتقال التوتر إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي بين ضفتي الحدود.
وتكتسب الزيارة الحالية معناها الحقيقي إذا وُضعت بجانب سلسلة الرسائل المتبادلة التي سبقتها: ففي أكتوبر 2023 بعث الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني رسالة إلى عاصيمي غويتا عبر وزير الخارجية، وكان محورُها التعاون الثنائي والأوضاع في الساحل، ثم في أبريل 2024 عاد ملف التهدئة إلى الواجهة عبر زيارة وزير الدفاع الموريتاني نفسه إلى باماكو، قبل أن يتكرر المسار لاحقا بوفود ورسائل أخرى، ما يكشف أن القناة الأمنية-الرئاسية أصبحت الوسيلة الأكثر واقعية لإدارة العلاقة حين تتعثر القنوات السياسية التقليدية.
لكن جوهر الأزمة لم يكن يوما الرسائل بحد ذاتها، بل الملفات التي تحملها في الظل: أمن الرعاة والمواطنين على الحدود، حركة الشاحنات والتبادل التجاري، وضع الجالية المالية في موريتانيا، وانعكاسات تغيرات السلطة في باماكو على توازنات الساحل. ولهذا فإن أي رسالة بين الرئيسين تُقرأ عادة كاختبار لمدى استعداد الطرفين لإطفاء الحرائق الصغيرة قبل أن تتحول إلى أزمة سيادية، خاصة في سياق إقليمي تتراجع فيه الوساطات وتتعاظم فيه النزعات الانكفائية والانفعالات الأمنية.
ما يلفت في التطور الأخير أن الطرفين حرصا على إبقاء لغة المجاملة مرتفعة النبرة: تحيات متبادلة، حديث عن “المصير المشترك”، وامتنان للضيافة، بينما بقي مضمون الرسالة مجهولا عمدا، وهو ما يرجّح أنها تناولت ملفات حساسة لا يراد كشفها إعلاميا بعد. وهذا النمط من الغموض ليس تفصيلا شكليا، بل مؤشر على أن العلاقة دخلت مرحلة “إدارة التوتر” لا “حلّه”، أي الحفاظ على الحد الأدنى من التفاهم لمنع الانفجار، دون امتلاك بعدُ صيغة نهائية لإزالة أسباب الاحتقان.
الأرجح، إذن، أن باماكو ونواكشوط تعيدان معايرة العلاقة وفق ميزان دقيق: لا قطيعة مع جار لا غنى عنه، ولا تساهل مع وقائع ميدانية تمس الأمن الوطني والهيبة السيادية. وفي هذا المستوى، تبدو زيارة حننه ولد سيدي رسالة مزدوجة: طمأنة سياسية من جهة، وتنبيه أمني من جهة أخرى، لأن مستقبل العلاقة بين البلدين سيتحدد ليس ببلاغات الاستقبال، بل بمدى قدرة كل طرف على كبح الحوادث الحدودية، واحترام حساسية الآخر، وتحويل الجوار من عبء أمني إلى شراكة قابلة للحياة.
Sultan Elban سلطان البان
LONDON




