في غابر الأزمان، تلاقت خطوط القدر عند صخرة عاتية دُعيت رزق الكربتي. كان وادي المرايا يغلي بصراع القبائل الطاحنة، فأقبلت جموع النزوح الأول يجرون أذيال الذعر، بعد أن فروا من فجاج طوشكاون المشتعلة بالحروب، علماً أن أولئك الوافدين لم يكونوا يحسنون القتال والحروب، فظلوا يبحثون عن مأوى يحميهم من سحق السيوف. ولجأوا إلى إمارة الهضبة خوفاً من دفع الجزية؛ فلو كانوا ذهبوا إلى أحد الفضاءات الأخرى في أنا تيروم في تلك الحقبة لدفعوها صاغرين. لأن من أراد الحماية في أن يعيش بسلام ولا يدفع الجزية لأي من أولئك الأمراء الخمسة، كان يلتحق بشيخ الهضبة الحكيم في رزق الكربتي الذي آواهم، وأسكنهم الدار العارية، جيرة مؤقتة بلا وريث.
لم تكن العطية تمليكاً. لكن الوافدين حملوا في غسق الليل الصيوان الأكبر. وهي خيمة حيكت بخيوط المكر. وأرادوا بسطها فوق الساحة لمقايضة السيادة بالاحتماء. رصد السادن بحكمته نية الالتفاف. فلم يرتضِ الخديعة ورمى بعهدهم قائلاً: ظلالنا للمستجير لا للمشتري. والدار عارية. فطريقتكم حبيسة صدوركم. وإن أفشيتموها فلا مقام لكم هنا.
وفي مروج الغلال، حيث تهمس الرياح بأسرار القوافل، طارت شائعة نثرتها امرأة هي زوجة كبيرهم الذي التحق معهم: لقد ابتعنا الحصن بالصيوان. لم يمهل السادن خيط المكر؛ امتطى جواده كالإعصار وصاح في بساطهم: أخلفتم الوعد وزعمتم بيعاً! ارحلوا مع تباشير الغد. تعلل القوم بهرير شارد في زوايا الأسوار، يتلمسون عتمة الليل لجمع آخر الفتات وحزم كل حطام ومتاع؛ فلم يتركوا وراءهم نقيراً من فرط جشعهم وحبهم للمال. وفي الغسق، تسللوا بخيبتهم نحو أرض التيه، حيث خر كبيرهم صريعاً بين الراحلين، لتمضي الركاب في شتاتها الطويل نحو فضاءات أنا تيروم.
دارت الأزمان، واعتلى سدة ذلك الفضاء وريث ذلك الذعر القديم. ارتدى عباءة الملك الواهية وحاط نفسه بالجنود، وحين اشتعلت التخوم وطحنت الأزمات الأطراف، لزم صمتا كصمت القبور ولم ينبث ببنت شفة؛ لتظل النقوش القديمة شاهدة بأن هيبة العروش لا تنزع رجفة الخوف الكامنة في العرق.
فهل هذا الحوار هو الذي يُحاك تحت نفس تلك الخيمة التي حيكت في ظلام التاريخ الغابر؟
بقلم: يحياوي محمد لمين ولد يحيى




