
لاجرم "أن أول من وجد أرضاً مسيجة وقال هذه لي هو مؤسس المجتمع المدني"، ذلك أن هذه الأرض أو المنطقة التي نتحدث عنها في هذا السياق ليست أرضاً بواراً ولا سباخاً، بل غنية بالثروات الباطنية والسطحية؛ من مشاتل الخضروات إلى حقول الغاز والنفط. غير أن البعض يحاول أن يحولها مسيجة أو مفخخة بحقول المخدرات لأنها مستوطنة ومحتلة من قبل عصابات المافيا والجريمة المنظمة، ولسان حالهم يقول بأنها أرضهم، حيث حولوها من بساتين الخضروات إلى وكر للمخدرات، مما يستوجب على دول المنطقة البحث عن حلول لتأمين هذه الأرض السائبة التي عششت فيها أنشطة المنظمات الإرهابية.
فالتحديات التي تواجه منطقة الصحراء الغربية اليوم تتجاوز النزاعات التقليدية، لتصبح ساحة خالية ومشاعة وخلفية للمافيا العابرة للحدود. والخطر الأكبر يكمن في أن يتحول البلد الذي كان يُمده المغرب بسلة من الخضروات إلى سلة من المخدرات المتمثلة في سموم حبوب الهلوسة، مما يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة برمتها، بوطأة انتشار الجريمة والإرهاب المتمثلة في الذئاب المنفردة لعصابات الأفيون التي تنشط في أرض الصحراء الغربية، حيث أعادت إلى أذهان الموريتانيين لعنة "حرب الصحراء".
إن الحديث عن توقيف وضبط شاحنات تعبر إلى موريتانيا مملوءة بحبوب الهلوسة لأمر يستدعي منا أن نتكاتف جميعاً ضد مخاطر تلك السموم القاتلة، وإلحاق أقصى العقوبات بمن يحاول الاستثمار فيها لأنه عدو للمجتمع والوطن، ونشدد على أن الدولة يجب أن تأخذ بقبضة من حديد بمن تسول له نفسه أن يتاجر أو يستثمر بها، فديننا الحنيف يحرمها وينبذها.
وإن تأمين هذه المنطقة يستوجب على دول الجوار والمجتمع الدولي أن يعيد تلك الأرض إلى أهلها، فإن الصحراء الغربية ليست مجرد قضية نزاع إقليمي، بل تحولت إلى مساحة مفتوحة للأنشطة غير المشروعة. ففي ظل غياب حل واضح لوضعها، أصبحت ملاذاً آمناً ومرتعاً لتجارة الأفيون والمخدرات بأنواعها، وتحديداً "الحبوب المهلوسة" التي تضر بموريتانيا بشكل مباشر، ومن هنا تنشط المافيا وعصابات الجريمة المنظمة مستغلة هذا الوضع لتمرير سمومها.
في المقابل، تكمن في باطن الأرض بريق مجوهرات موريتانيا الحقيقية، المتمثلة في اقتصادها المزدهر وثرواتها الواعدة. على رأس هذه الثروات، يبرز النفط والغاز المكتشف حديثاً، والذي يطلق عليه بحق "الذهب الأسود". هذا الاكتشاف يضع موريتانيا أمام فرصة اقتصادية هائلة، ولكنه يفرض أيضاً تحديات جمة في تأمين حدودها ومواجهة تهديدات هذه العصابات التي تسعى لاستغلال أي نقاط ضعف. وتزداد أهمية هذا التأمين لحماية المنشآت الحيوية وضمان تدفق الاستثمارات الأجنبية، مما يجعل من ملف الحدود قضية وجودية للاقتصاد الموريتاني الناشئ.
بقلم: محمد الأمين ولد يحيى يحيّاوي




