الاختفاء الغامض لعبقري الرياضيات، سيدي ولد جابر/  محمد فال ولد سيدي ميله:

خميس, 09/07/2026 - 20:28

وُلِدَ سيدي ولد جابر سنة 1952 في مدينة ألاك، حيث أنهى دراسته الابتدائية متفوقا. والتحق بإعدادية، ثم ثانوية كيهيدي التي حصل منها على شهادة الباكالوريا/ شعبة الرياضيات، بنتيجة أثارت إعجاب أساتذة ومديري الطالب الموصوف، في أوساطهم، بـ"الذكاء الخارق".

حصل الطالب الألمعي على منحة في مدرسة تكوين الأساتذة بدكار، وتخرج الأول من دفعته ليصبح أستاذا للرياضيات في مدينة لعيون، وهو بعد يكاد لا يبلغ الـ 21 سنة من عمره. ثم التحق بمدرسة تكوين الأساتذة بانواكشوط ليكمل مشواره كأستاذ تام. ومن ثم، تخرج على رأس أول دفعة تتخرج منها.

كان من المقرر له أن يحصل على منحة خارجية فور تخرجه من مدرسة تكوين الأساتذة لأنه احتل الرقم 1 بجدارة كبيرة، إلا أن الإدارة قررت التمسك به لسنة أو اثنتين قبل ذهابه لأنها بحاجة إلى الأساتذة الموهوبين، البارعين، والمتمكنين من مادة الرياضيات، فحولته إلى ثانوية روصو التي برز فيها كعبقري لا يضاهى في فهم وشرح أعوص معادلات الجبر والهندسة.

 وبعد إضرابات جارفة نظمها الطلاب في مدينة أطار، بسبب غياب أي أستاذ للرياضيات في تلك السنة، تم تحويل الأستاذ الفذ، سيدي ولد جابر، إلى عاصمة آدرار، وبقي هناك محل إعجاب وتقدير من لدن طاقم المؤسسة والطلاب، إلى أن استُدعي ليأخذ منحته إلى تونس بغية مواصلة أبحاثه في الرياضيات والحصول على دكتورا دولة.

ومع إرساله إلى تونس، ظل السؤالان التاليان عالقين بأذهان جل الحركيين: هل لاستدعاء ولد جابر من أطار إلى نواكشوط، وإرساله إلى تونس من أجل إكمال دراساته، علاقة بنشاطه التحرري المستمر وقدراته الخطابية التعبوية الفائقة؟ وهل استغنوا عنه كأستاذ، في وقت تفتقر فيه البلاد إلى الأساتذة العلميين الأكفاء، وأعطوه منحة، بغية إبعاده من الميدان حيث المظاهرات والصدامات القوية بين الحر والنظام؟.

لا شك أن جدلا واسعا ظل يراوح مكانه بين المناضلين حول السبب في كون الأستاذ سيدي ولد جابر لم يُذكَر أبدا ضمن لائحة القادة المؤسسين لحركة الحر. إلا أنه من الأكيد أن قادة الحراطين، قبل يوم 5 مارس 1978، المخلّد ليوم الإعلان عن ميلاد الحركة، كانوا يجتمعون، تارات، في منزل سيدي ولد جابر بروصو وفي منزله بأطار، وخاصة في منزله بانواكشوط بالقرب من "وقفة البيس" بالسبخه. إنها الإرهاصات الأولى لتأسيس حركة "أخي الحرطاني"، وهي العبارة التي نفَرَتْ منها القوى الاقطاعية واستبدلتها بـ "أخوك الحرطاني" لأجل التنصل، لفظاً ومعنى، من تلك الأخوّة، ما أرغم الحركة على اتخاذ قرار بتسميتها "الحر"، بعيدا من "أخي" و"أخوك". ما يعني أن سيدي ولد جابر، لسبب ما، لم يحضر الاجتماع التأسيسي للحركة، لكنه كان من مؤسسي الفكرة أصلا ومن كبار مؤدلِجيها قبل أن ترى النور، كما أنه كان من الأدمغة التي أقنعت الكثيرين بالانضمام إليها، فقد جر إليها جموعا من الطلاب والمعلمين والكوادر والجزارين وحتى الجنود في لعيون وأطار وروصو ونواكشوط. بل إن بعض المصادر نقلت عن القيادييْن، بيجل ولد هميد، أطال الله عمره، وبوبكر ولد مسعود، رحمه الله، قولهما إن الفقيد سيدي ولد جابر كان رئيسا لحركة الحر أيام مغادرته إلى تونس.

بقي سيدي ولد جابر في تونس بصدد التحضير لدكتورا دولة في الرياضيات. كان، في كل الاختبارات والعروض التحضيرية، يحتل الرتبة الأولى أمام الطلبة التونسيين والعرب والأفارقة، لدرجة أن اسمه أصبح حاضرا في كل المنابر العلمية للجامعة التونسية. لذلك، مُنح جائزة بوركيبه للرياضيات في سنته التحضيرية عندما حصل على شهادة الدراسات المعمقة.

وفيما كان يحضّر لتقديم أطروحة دكتورا دولة، وعندما كانت التوترات على أشدها، في نواكشوط، بين الحركة والنظام العسكري الحاكم، خرج الطالب النابغة من الجامعة، بتونس العاصمة، وهو لا يدري أنه لن يعود إليها أبدا، إذ صدمته شاحنة تسير بأقصى سرعة، ثم لاذت بالفرار، ولم تمض دقائق حتى تجمع الطلاب مذهولين من هول الصدمة أمام زميل ينزف حتى الموت. وما هي إلا لحظات حتى عم الخبر أرجاء الجامعة، فالطالب المتوفى، يوم 19 فبراير 1981، تحت عجلات شاحنة فارّة، ليس إلا العبقري الشهير سيدي جابر: مشروع عالم الرياضيات الذي خسرته الجامعة التونسية وخسرته موريتانيا في التاسعة والعشرين من عمره الحافل، رغم قِصَره، بالمشاريع العلمية والحقوقية العملاقة. غير أن الأمَرّ أن جريمة قتله تم تسجيلها ضد مجهول. وإلى اليوم، لم يُكشف النقاب عن حقيقة ذلك الحادث المرعب، ولم تقدم السفارة، حينذاك، أي تفسير للموضوع، إلى أن طواه النسيان.

لا يمكن البتة التأكيد أن الفقيد الحصيف والمتوقد الذهن، سيدي ولد جابر، تمت تصفيته جسديا، كما يقول بعض الحركيين، بالتعاون بين المخابرات التونسية والمخابرات الموريتانية، لكن الشيء الذي يؤكده بعض قادة الحركة، والذي يطرح ألف علامة استفهام، يكمن في أن موته تزامن مع وجود مدير أمن الدولة، في تلك الفترة، في تونس، في إطار زيارة أمنية سرية. وبالتالي، فربما تزامن الحدثان بالصدفة، وربما تزامنا لسبب ذي صلة، خاصة أن البلاد، حينها، تعيش في ظل دكتاتورية عسكرية عمياء. إلا أن غياب الأدلة الدامغة، يجعل من المستحيل ترشيح أي من الاحتمالين، ليبقى السؤال معلقا، ربما إلى الأبد: مَنْ قتل مشروع عالم الرياضيات الواعد، ابنَ موريتانيا العبقري، وأحد آباء الحراك الانعتاقي فيها؟.. إنه الصمت الموريتاني الرهيب الذي تدثّرت به ألغازُنا الوطنية الكبيرة، كمقتل عمدة أطار، السياسي والصحفي عبد الله ولد عُبيد (1961)، ومصير طائرة والي نواذيبو، سيدي محمد ولد محمد الأمين ومرافقيه (1992)، ومحاولة قتل الرئيس محمد ولد عبد العزيز في ما عرف بـ"رصاصة اطويله" (2012)...

مع كل ما سبق، يجدر التأكيد على أن العودة، ضمن تحقيق صحفي استقصائي جاد، إلى أرشيف الشرطة في العاصمة التونسية ليوم 19 فبراير 1981، والعودة إلى السفير الموريتاني المعتمد في تونس سنة 1981 (وهو ما يزال حيا-أطال الله بقاءه)، قد تلقي الضوء على هذا الحادث المأساوي، وقد تجيب على بعض الأسئلة العالقة منذ 45 سنة. فإذا كانت الشاحنة قد أوقفتها الشرطة -كما يقال في بعض الأوساط الحكومية- فأين التحقيق الطرقي (الكونستا)؟ وهل حصلت السفارة بتونس على نسخة منه؟ ولماذا لم يجد أهل الضحية حقوق التأمين؟ وكيف لم تتابع السفارة ملف التحقيق وحقوق التأمين؟. وإذا كانت الشاحنة قد فرّت، فهل بعثت السفارة بتقرير عن الموضوع إلى وزارة الخارجية الموريتانية؟ وماذا تضمن ذلك التقرير من معلومات، إن كان قد بُعث به؟ وإن لم تكن قد بعثت بتقرير إلى الوزارة، فلماذا؟ وما المعلومات التي تحصلت عليها وزارة التعليم حول مواطن منحته وقضى في حادث غريب؟ وهل اهتمت بموضوعه أصلا؟... أسئلة، من بين أخرى، ستعيش وتموت في الدرج الخلفي لذاكرة وطن قليلا ما يجيب على الأسئلة الوطنية الملحة والواردة!!.

يذكر أن الفقيد سيدي ولد جابر تزوج بابنة خاله كوريّه بنت الكوري ولد رمظان.. كانت حينذاك أمية، لم تدخل المدرسة أبدا. إلا أنه رفض لها أن تبقى على ذلك الحال، وبدأ يعلمها في المنزل إلى أن أصبحت تفوق طالبات الباكالوريا خاصة في اللغة الفرنسية، ثم دخلت معهدا مهنيا، وتخرجت سكرتيرة إدارية، وعملت في مشروع معني بالواحات، تابع لوزارة التنمية الريفية. وقد حولها المشروع إلى أطار، وهناك زاولت عملها لسنوات كسكرتيرة متمرسة، قبل أن يختطفها الموت في بداية التسعينات إثر حريق أحدثه انفجار قنينة غاز في مطبخ منزلها، لتلحق روحُها بروح زوجها الذي تعلمت منه أول حرف هجائي ترسمه قبل أن تتعلم منه المثابرة والجد والمبدئية والنضال.

أما أولاد الفقيد فثلاثة هم: محمد ولد جابر (إطار حاليا بموريتيل)، ومَلِكَه بنت جابر (معلمة)، وأمنة المولودة في تونس عندما كان والدها يَدْرس هناك...

وتأكيدا لفلسفته في أن الانعتاق مرهون بالتكوين الثقافي والعلمي، كان الفقيد سيدي ولد جابر وراء تمدرس أخويه (من أمّه) محمد ولد اصنيبه والكوري ولد اصنيبه، فقد عمل كل ما في وسعه لإقناع والدهما بتركه يسجلهما في المدارس على أن يتابع تكوينهما كليا. وبفضل رعايته لهما، وسهره عليهما، وأسفاره بهما أينما تم تحويله، أصبحا إطارين من كبار المثقفين في البلد، الأول منهما أستاذ للغة الفرنسية، يحضّر حاليا لنيل شهادة الدكتورا، والثاني مفتش تعليم وكاتب صحفي وحقوقي معروف.

مهما يكن، فإن على الدولة الموريتانية، اعترافا بمستويات وعبقرية أبنائها، أن تعلن عن جائزة في الرياضيات باسم سيدي ولد جبر مثلما فعلت مع العبقري المرحوم يحيى ولد حامدن. كما أن عليها، إنعاشا للذاكرة الإيجابية واحتراما لأرواح أبطال القضايا العادلة، أن تطلق اسم سيدي ولد جابر على شارع أو مدرسة أو معهد. وإن على القوى الحقوقية، خاصة حركة الحر، أن تنظم يوما تأبينيا إحياء لذكرى هذا القائد الراحل، وتمجيدا لخطه النضالي السلمي التحرري.. تغمده الله بشآبيب رحمته، وأسكنه الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء. عرض أقل