في بلدٍ ما تزال فيه أزمة الماء واحدة من أكثر الأزمات التصاقًا بالحياة اليومية للمواطنين، كان من المفترض أن يشكل مشروع توسعة وإعادة تأهيل منشآت آفطوط الساحلي خطوة حاسمة لتعزيز الأمن المائي للعاصمة نواكشوط. لكن الوثائق والمعطيات التي جرى تجميعها حول صفقة الإشراف على هذا المشروع تكشف مسارًا مقلقًا، يبدأ بمنافسة معلنة بين عدة مكاتب، ويمر بإلغاء تفاوض مع المتصدر بحجة الغلاف المالي، ثم ينتهي إلى صفقة تراضٍ أعلى كلفة، صادقت عليها أجهزة رقابية يفترض أنها وُجدت أصلًا لحماية المال العام.
هذا التحقيق لا يدّعي إصدار حكم قضائي، ولا يزعم حسم مسؤوليات جزائية قبل أوانها. لكنه يعرض، استنادًا إلى وثائق رسمية وشهادات متقاطعة ومعطيات منشورة، مؤشرات قوية على وجود تناقضات إجرائية ومالية وإدارية تستوجب فتح تدقيق مستقل، والكشف للرأي العام عن الأسس الحقيقية التي بُني عليها قرار إلغاء المسار التنافسي وتمرير صفقة جديدة أكثر كلفة.
يرتبط الملف بمشروع استراتيجي يهدف إلى رفع الطاقة الإنتاجية للمياه الصالحة للشرب الموجهة إلى نواكشوط من 150 ألف متر مكعب إلى 225 ألف متر مكعب يوميًا، بتمويل من قرض فرنسي يبلغ 43 مليون يورو، يُسدد على 25 سنة، من بينها 10 سنوات فترة سماح، وبفائدة سنوية تبلغ 0.216%. وعلى الورق، يبدو المشروع جزءًا من سياسة تأمين الماء للعاصمة، لكن ما تكشفه طريقة تدبير عقد الإشراف عليه يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول ما إذا كان هذا التمويل قد استُخدم فعلًا لتحقيق أفضل مصلحة للدولة، أم أن جزءًا منه تحوّل إلى مجال لإعادة ترتيب المصالح والعقود على حساب الشفافية.
بدأت قصة صفقة الإشراف يوم 21 أغسطس 2025، حين أُطلقت منافسة لاختيار مكتب يتولى مهام الإشراف ومراقبة الأشغال المتعلقة بتوسعة قدرات المعالجة والضخ في منشآت آفطوط الساحلي. وتقدمت عدة تجمعات للمنافسة، تأهل منها ثلاثة في المرحلة الفنية، كان من بينها تجمع Groupement Cabinet Merlin – ESABR. وتشير الوثائق المتاحة إلى أن هذا التجمع دخل في مفاوضات مع وحدة تسيير المشروع، بوصفه المتصدر في الترتيب الفني، قبل أن تتعثر المفاوضات لاحقًا.
الوثيقة المفصلية في هذا المسار هي الرسالة الرسمية الصادرة عن مشروع تقوية وتأمين تزويد نواكشوط بالماء، والموقعة من المنسق الوطني كان عمر مامادو بتاريخ 17 أبريل 2026، والموجهة إلى ممثل تجمع Merlin – ESABR. وتوضح هذه الرسالة أن المفاوضات مع التجمع بلغت نهايتها، وتم توثيقها بمحضر جلسة مؤرخ في 17 فبراير 2026، قبل أن تعتبرها اللجنة المختصة “غير مثمرة” بسبب أن المبلغ المتفاوض عليه “يتجاوز الغلاف المالي المخصص مسبقًا والمدرج في مخطط تمرير الصفقات (PPM)”.
كما تستند الرسالة إلى المادة 69 من المرسوم 2022-08 المطبق لقانون الصفقات العمومية، وإلى القانون 2021-024، لتبرير فشل المفاوضات ورفض الطعن الإداري الذي تقدم به التجمع.
ولا تقف أهمية هذه الرسالة عند إعلان فشل التفاوض فحسب، بل تمتد إلى نقطة أكثر حساسية: فهي تنص، في الوقت نفسه، على أن الإدارة ما تزال تمنح التجمع “فرصة” لتنفيذ الخدمات المطلوبة بشرط ألا يتجاوز عرضه سقف 1.6 مليون يورو، وتطلب منه الرد قبل 21 أبريل 2026. وبعبارة أوضح، فإن الوثيقة الرسمية نفسها تثبت أن 1.6 مليون يورو كان يمثل السقف المالي المرجعي الذي اعتبرت الإدارة تجاوزه سببًا كافيًا لإعلان تعثر المفاوضات، ورفض الطعن، والتشدد في التمسك بالغلاف المالي المخصص للعملية.
غير أن المسار الذي اتخذته الصفقة بعد ذلك هو ما يجعل هذا الملف محل شبهة حقيقية. فبدل أن تنتهي الإجراءات إلى تثبيت الإلغاء ضمن منطق احترام السقف المالي، أو إلى إعادة المنافسة بشروط أكثر وضوحًا، اتجهت الوزارة لاحقًا إلى منح صفقة الإشراف نفسها بالتراضي لمكتب EGIS الفرنسي بمبلغ 2 مليون يورو، أي أعلى بنحو 400 ألف يورو من السقف المالي الذي استُخدم سابقًا لتبرير إسقاط المسار الأول. وحسب المعطيات المتداولة حول الملف، فإن هذا المبلغ يفوق السعر السابق محل التفاوض بنحو 40%، وهو فارق ذو دلالة كبيرة في صفقة تتعلق فقط بخدمات الإشراف والرقابة.
هنا ينهار التبرير الرسمي الأول من الناحية المنطقية على الأقل. فإذا كان تجاوز 1.6 مليون يورو سببًا مشروعًا لإعلان المفاوضات “غير مثمرة” مع التجمع الأول، فما الذي تغيّر حين قُبل مبلغ 2 مليون يورو في صفقة تراضٍ؟ وهل جرى تعديل الغلاف المالي رسميًا؟ وهل تم تحيين مخطط تمرير الصفقات والاعتمادات المرتبطة به وفق المساطر الواجبة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يُعلن ذلك للرأي العام ولم يُستخدم لإعادة فتح المنافسة بدل اللجوء إلى التراضي؟ هذه الأسئلة لا تبدو شكلية، بل تقع في صلب أي فحص جدي لاحترام مبادئ المنافسة والمساواة بين المتنافسين.
إلى جانب هذه التناقضات الموثقة، تتداول أوساط قريبة من الملف رواية أشد حساسية، مفادها أن خلفية إلغاء المسار التفاوضي مع التجمع الأول قد لا تكون مرتبطة فقط بالغلاف المالي المعلن، بل أيضًا بصراع غير معلن حول توزيع المنافع بين أطراف رئيسية في القرار. وبحسب هذه الرواية، فإن عدم رضا وزيرة المياه والصرف الصحي آمال مولود عن المبلغ الذي كان سيعود إليها، وتذمر رئيس لجنة الصفقات من أن منسق المشروع، كان عمر مامادو، “يستفيد أكثر منهما” بحكم علاقته الوثيقة بالمكتبين اللذين يُنظر إليهما على أنهما من أقرب المقربين إليه، كانا من بين العوامل التي غذّت قرار إلغاء الصفقة الأولى. وفي هذا التصور المتداول داخل بعض الأوساط المرتبطة بالملف، لم يكن الخلاف الحقيقي حول احترام الغلاف المالي وحده، بل حول عدم الاتفاق على توزيع المبلغ بين هذا الثلاثي.
ومن الضروري هنا التشديد على أن هذه المعطيات الأخيرة تندرج، حتى الآن، في نطاق الروايات والشهادات المتداولة التي لم تثبت قضائيًا، ولا يجوز التعامل معها بوصفها حقيقة نهائية مكتملة. لكن قيمتها الاستقصائية تنبع من كونها تظهر كفرضية تفسيرية منسجمة، جزئيًا على الأقل، مع الوقائع الثابتة في الملف: فهناك مسار تنافسي أُلغي بذريعة السقف المالي، ثم صفقة تراضٍ أعلى كلفة، ثم رقابة لم تعترض، ثم شبكة علاقات ومصالح يكثر الحديث عنها داخل محيط المشروع. وفي مثل هذه الحالات، لا تصبح مهمة الصحافة إثبات الجريمة، بل كشف التناقضات التي تجعل التحقيق المستقل ضرورة عامة، لا مجرد رغبة سياسية أو إعلامية.
ويزداد هذا الملف تعقيدًا بالنظر إلى دور الأجهزة الرقابية نفسها. فالمعطيات المتاحة تشير إلى أن اللجنة الوطنية لرقابة الصفقات العمومية أصدرت “Avis de non objection” بشأن إعادة فحص مشروع صفقة تراضٍ يتعلق بالإشراف ومراقبة أشغال توسعة وإعادة تأهيل آفطوط الساحلي، استنادًا إلى رسالة من لجنة الصفقات التابعة لوزارة المياه والصرف الصحي. وهذا يعني أن الصفقة لم تمر فقط عبر السلطة المتعاقدة، بل عُرضت أيضًا على هيئة وطنية يفترض أن تراجع سلامة المسار من حيث الشكل والأساس، قبل أن تمنحها فعليًا عدم اعتراض.
غير أن “عدم الاعتراض” لا يجيب، في حد ذاته، عن الأسئلة الأساسية التي يطرحها الملف. فهو لا يوضح للرأي العام كيف أمكن الانتقال من سقف مالي قدره 1.6 مليون يورو إلى عقد بقيمة 2 مليون يورو، ولا يفسر لماذا لم يُستكمل المسار التنافسي أو يُعاد إطلاقه في إطار أكثر شفافية، ولا يكشف إن كانت اللجنة قد اطلعت على كل المعطيات المتعلقة بإلغاء المسار الأول، أو اكتفت بالمعلومات التي قدمتها لها الجهة صاحبة المشروع. ومن ثم، فإن هذا “اللا اعتراض” لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه تطهيرًا آليًا للمسطرة، بل باعتباره جزءًا من الملف نفسه، وجزءًا من الأسئلة التي ينبغي أن توجه أيضًا إلى أجهزة الرقابة، لا إلى الوزارة وحدها.
ويكتسب اختيار مكتب EGIS بعدًا إضافيًا حين يُقرأ في ضوء المعطيات الدولية المتاحة بشأن بعض فروع مجموعة EGIS. فقد سبق للبنك الدولي أن أعلن في عام 2018 منع Egis International Indonesia من المشاركة في مشاريعه لفترة محددة بسبب ممارسات احتيالية في مشروع طرق بتيمور الشرقية (انظر الرابط المرفق) . كما أعلن في عام 2020 تسوية مع Egis India Consulting Engineers تضمنت عدم منع مشروط لمدة عامين على خلفية ممارسات وُصفت بأنها فاسدة واحتيالية في مشاريع بنية تحتية بالهند. وتوضح مذكرات البنك الدولي الخاصة بقائمة الشركات غير المؤهلة أن الجهة المدرجة في هذه القوائم تُذكر مع بيان سبب العقوبة، وما إذا كانت مدرجة مباشرة أو بصفتها كيانًا تابعًا أو مرتبطًا أو مشمولًا بالمنع المتبادل.
ومن الناحية القانونية الصرفة، لا يكفي هذا وحده للقول إن المكتب المتعاقد في موريتانيا كان تلقائيًا في وضعية منع، ما لم يتم التثبت بدقة من الهوية القانونية الكاملة للكيان المتعاقد وتاريخه النظامي لحظة التعاقد. لكن ذلك لا يقلل من أهمية السؤال الذي يفرض نفسه: هل قامت الجهة المتعاقدة والهيئات الرقابية، قبل منح صفقة حساسة بهذا الحجم، بتحقق معمق من سجل الامتثال والنزاهة الخاص بالمكتب أو بالمجموعة التي ينتمي إليها؟ وهل تم فحص ارتباطه المؤسسي بأي كيانات سبق أن طالتها عقوبات دولية؟ في مشروع ممول بقرض خارجي ومرتبط مباشرة بمرفق عمومي حيوي، لا يمكن اعتبار هذه الأسئلة ترفًا إداريًا.
ولا ينبغي إغفال أن هذا المشروع نفسه انطلق سياسيًا قبل اكتمال ترتيبات صفقة الرقابة. فقد أعطى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إشارة انطلاق المشروع في 29 سبتمبر 2025، غير أن الأشغال الفعلية تأخرت لأشهر طويلة في انتظار الحسم في اختيار مكتب الإشراف. وفي إبريل 2026، صرّح منسق المشروع بأن الحديث عن وجود تأخر غير وارد، وأن إجراءات اكتتاب المكتب الاستشاري لا تؤثر على آجال التنفيذ. إلا أن تسلسل الوقائع كما توثقه الرسائل والمراسلات الإدارية يوحي بأن ملف الإشراف لم يكن تفصيلًا ثانويًا، بل عقدة رئيسية عطلت مسارًا كان يفترض أن يخدم حاجة ملحة للمواطنين.
إن أخطر ما في هذا الملف ليس فقط احتمال وجود خلل في إسناد صفقة واحدة، بل ما يكشفه من نمط أوسع في إدارة المشاريع العمومية: منافسة تُدار حتى مراحلها الأخيرة، ثم تُلغى بحجة مالية، ثم يُعاد تشكيل الصفقة خارج المنافسة وبكلفة أعلى، مع منحها لاحقًا غطاءً رقابيًا وإداريًا كافيًا لتبدو، في ظاهرها، سليمة. وفي حال ثبت وجود تلاعب أو سوء تعليل أو تأثير غير مشروع للمصالح الشخصية على القرار، فإن الخسارة هنا لا تُقاس فقط بفارق السعر، بل أيضًا بإضعاف الثقة في مؤسسات الرقابة، وبترسيخ فكرة أن القانون يمكن أن يُستخدم بمرونة حسب هوية المستفيد لا حسب المصلحة العامة.
ما تحتاجه قضية آفطوط الساحلي اليوم ليس المزيد من الصمت، ولا المزيد من العبارات الإجرائية الفضفاضة، بل كشف كامل للوثائق التي تفسر الانتقال من 1.6 مليون يورو إلى 2 مليون يورو، وتعليل مكتوب ومفصل لاختيار التراضي بدل العودة إلى المنافسة، وتوضيح رسمي من الوزارة واللجنة الوطنية لرقابة الصفقات حول الأساس الذي بُني عليه “عدم الاعتراض”. كما يحتاج الملف إلى تمكين الرأي العام والهيئات الرقابية والقضائية، إن اقتضى الأمر، من فحص كل المراسلات والمحاضر والتعديلات المالية المرتبطة به.
ففي النهاية، لا يتعلق الأمر بمجرد أرقام على ورق، بل بأموال عامة، وقرض طويل الأجل سيتحمله الموريتانيون، ومشروع يرتبط مباشرة بالماء، أي بأكثر الحاجات التصاقًا بكرامة الناس اليومية. وإذا كانت الوثائق المتاحة اليوم لا تكفي وحدها لإصدار حكم نهائي، فإنها تكفي بما لا يدع مجالًا للارتياح: هناك ما يستوجب المساءلة، وهناك ما يبرر الشك، وهناك ما يجعل من فتح تحقيق مستقل وشفاف ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.
Sultan Elban سلطان البان
LONDON-CCCU




