معضلة المأموريات الرئاسية في موريتانيا: بين حسابات السلطة وثقافة «الولاية الثانية»/ الياس محمد

أحد, 20/09/2026 - 16:13

1. تشريح الأزمة: حساسية «نهاية الولاية»

يشكل تحصين المأموريات الرئاسية وحصرها في ولايتين ددستوريتين نقطة تحول كبرى في مسار أي نظام سياسي؛ إذ تدخل البلاد مع مطلع الولاية الثانية مرحلة شديدة التعقيد. فبمجرد إدراك الحاشية وأنصار النظام أن رصيد الرئيس الزمني في قمة هرم السلطة بدأ في النفاد، تتحول الأنظار بسرعة نحو البحث عن البديل و«الخلف» المحتمل. هذا الواقع يدفع الرؤساء في كثير من الأحيان إلى الغموض وتجنب حسم الجدل حول مستقبلهم السياسي، ليس بالضرورة رغبةً في التشبث بالحكم، بل تفادياً للانفضاض المبكر للمقربين، وحفاظاً على الحد الأدنى من هيبة السلطة وفعاليتها حتى اللحظات الأخيرة.

2. دروس الماضي وتجارب الاستخلاف

تجلي بوضوح في تجربة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز كيف يمكن لدعوات التمديد أن تتحول إلى ظاهرة سياسية مضللة، وكيف أن تأخر حسم الموقف أفضى في النهاية إلى تعقيدات غير متوقعة بعد مغادرة السلطة. والיום، يتكرر المشهد ذاته بصورة أو بأخرى مع الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني، مع فارق جوهري يتمثل في وعي النظام بتداعيات التجربة السابقة. إن التخوف الحقيقي اليوم لا يتعلق بالرغبة في خرق الدستور أو تعديل المواد المحصنة، بقدر ما يتعلق بهاجس «الأمان السياسي» وضمان عدم التعرض لمخاطر ما بعد الخروج، في بيئة سياسية يغيب فيها غالباً الوفاء المؤسسي لصالح الولاءات الشخصية المتغيرة.

3. الرهان على الأحزاب البرامجية كحل جذري

تظل المعضلة الحقيقية مرتبطة بطبيعة الممارسة السياسية القائمة على تقديس الأشخاص لا البرامج. ولتجاوز هذه الثغرة البنيوية، يبرز الحل الأنجع في الانتقال نحو مأسسة الحياة السياسية. فحين تستند الأحزاب إلى برامج، وقناعات، ورؤى فكريّة وثابتة تتجاوز الأشخاص والمصالح الآنية، يظل السياسي أو الرئيس السابق يحظى بمكانته الاعتبارية ضمن إطاره الحزبي بغض النظر عن وجوده في السلطة أو خارجها. إن بناء أحزاب ذات عقيدة وطنية هو الكفيل وحده بتحرير الرئيس من ضغوط الحاشية، وتحرير الأنصار من هاجس البحث الدائم عن ولي نعم جديد.

4. البعد الشخصي للرئيس الغزواني: الزهد والوطنية

بعيداً عن حسابات السياسة المعقدة وصراعات النفوذ، تشير المعطيات القريبة من شخصية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى أنه بعيد كل البعد عن التعلق بمباهج السلطة أو السعي للعلو فيها بغير حق. فالرجل عُرف بوطنيته الصادقة، وحرصه المطلق على أمن استقرار موريتانيا، وإيمانه الراسخ بسيادة القانون واحترام الدستور، إلى جانب تطلعه الحثيث لتحقيق النهضة الاقتصادية والديمقراطية للبلاد. ولعل غايته الكبرى تكمن في إيصال موريتانيا إلى بر الأمان الدستوري والمؤسسي، قبل أن يترجل عن سدة الحكم ليتفرغ لزهده المعهود وعبادته، بعيداً عن صخب السياسة وامتيازاتها