
طلع علينا أحمد الريسوني بتوضيح جديد، فما زاد الطين إلا بلة، وما كان إلا دليلاً قاطعاً على أن النفاق والدين لا يجتمعان.
ففي تصريحه السابق، جهر بلا تردد وبلا لبس قائلاً: "موريتانيا ليست دولة، صنعتها فرنسا، ونصبت عليها صهرها المختار ولد داداه". واليوم يخرج لنا بتخريج ناعم يبرر فيه موقفه بالقول: "كلامي كان عرضيا وعفويا، وهو مجرد أفكار تاريخية، وأنا لست سفيرا ولا وزيرا، والموريتانيون أذكى العرب".
هذا هو النفاق الديني في أبهى تجلياته؛ أن يقول المرء الشيء ونقيضه في نفس السياق. ويمكن تفكيك هذا السقوط في أربعة محاور:
أولاً: النفاق في التبرير
يقول الريسوني إن "السؤال كان مفاجئا وعفويا". وهل الطعن في سيادة شعب مسلم ومستقل يحتاج إلى إعداد مسبق؟ العالم الرباني، حين يُفاجأ بسؤال يمس سيادة شعب، لا يتردد في قول الحق: "اتقوا الله، هذه دولة مسلمة ذات سيادة". أما هو، فقد استغل عنصر المفاجأة لتمرير مشروعه التوسعي العتيق، ألا وهو مشروع "المغرب الكبير" الذي طواه الزمن.
لقد علّمنا الدين أن الكلمة كالسهم إن خرجت لم تعُد، فلا يمكن إطلاق سهام مسمومة ثم الادعاء بأن الأمر كان مجرد مزاح أو عفوية. الشعوب لا تنسى الإساءات.
ثانياً: النفاق في المدح
يمدح الريسوني الموريتانيين من باب الذم الخفي؛ فيزعم أنهم "أذكى من عرفت من العرب وأكثرهم عروبة وفصاحة", ثم يعود في نفس السياق ليجردّهم من الوجود التاريخي بقوله إنهم لم يكن لهم وجود من الأساس! فأي فصاحة وأي ذكاء لشعب تنفي عنه أصل الوجود التاريخي؟
هذا هو ديدن المنافق؛ يمدحك في الوجه ليطعنك في الظهر. والدين الحنيف بريء من هذه الأساليب، فهو القائل: "ولا تبخسوا الناس أشياءهم". وها هو الريسوني يبخس الموريتانيين كل تاريخهم ودولتهم وعلماءهم.
لقد كان رد جمعية العلماء الموريتانيين بليغاً حين وصفوا كلامه بأنه "غريب ومريب واستفزازي". هؤلاء هم العلماء الحقيقيون، بعيداً عن صانعي "البوز" عبر منصات البودكاست.
ثانياً [توضيحاً]: النفاق في التاريخ
يزعم الريسوني أن أفكاره مستمدة من "مؤلفات قديمة وحديثة وبها يقول كثير من العلماء والزعماء الموريتانيين". وهذا محض افتراء.
نتحداه أن يذكر عالماً موريتانيّاً واحداً قال بأن موريتانيا صنيعة فرنسية. لن يجد إلى ذلك سبيلاً، فتاريخ موريتانيا كُتب بمداد دماء أبنائها؛ فإمارات الترارزة والبراكنة وآدرار خاضت حرباً ومقاومة ضد الاحتلال الفرنسي استمرت ثلاثة عقود (من 1905 إلى 1934)، في الوقت الذي كان فيه عرشهم يوقع معاهدات الحماية بكل ارتياح.
أما مراجع الريسوني فهي كتب حزب الاستقلال الصادرة في خمسينيات القرن الماضي؛ فهو يستشهد بكتب الخصم السياسي ليقنعنا بتاريخ كتبه علال الفاسي لخدمة أجنداته الخاصة.
وحين يقول إن أفكاره "قابلة للأخذ والرد", فنقول له: لا يا شيخ، سيادة موريتانيا ليست وجهة نظر فقهية في كتاب، بل هي حقيقة سياسية وقانونية راسخة؛ فهي دولة عضو في الأمم المتحدة، اعترف بها المغرب رسمياً منذ عام 1969. لا مجال للأخذ والرد في وجود الشعوب.
رابعاً: النفاق في التنصل
يتحجج بالقول: "لست سفيرا ولا وزيرا ولا أتحدث عن الحاضر والمستقبل". وهي كذبة أخرى مكشوفة؛ فالرجل شغل منصب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ووزن كلامه يتردد صداه في وزارات خارجية موريتانيا والمغرب والجزائر. إنه يعلم تماماً ثقل منصبه وكلماته التي تعد بمثابة فتاوى سياسية.
وإن كان حقاً لا يتحدث عن الحاضر، فلماذا اقترح في خرجاته مسيرة من نواكشوط إلى طرابلس؟ أيريد السير في أرض ينكر وجودها أصلاً؟!
خلاصة القول:
يا ريسوني، الدين لا يأتلف مع الكذب على التاريخ، ولا يجتمع مع الطعن في سيادة الدول ورموزها، ولا يلتقي مع تحميل الجزائر أوزار فشل اتحاد المغرب العربي، بينما السبب الجذري هو قضية الصحراء الغربية التي تتهربون من حلها العادل.
لقد صدق فيك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". لقد كذبت على تاريخ شنقيط، وأخلفت وعد الأخوة والوحدة الإسلامية بزرع الفتن، وخنت الأمانة العلمية بتحويل التاريخ إلى مطية لمشاريع التوسع.
لذلك كله؛ توضيحك مرفوض، واعتذرك غير مقبول، لأنه ليس اعتذاراً حقيقياً بل هو تكريس لنفس النزعة الاستفزازية بغلاف رقيق من العسل.
موريتانيا لم تصنعها فرنسا، بل صنعها أهلها بمحاظرهم، وعلمائهم، وإماراتهم، ودماء شهدائهم الأبرار.
والدين الحق سيظل حليفاً للمظلومين، لا لمن يبرر الظلم والتعدي باسم التاريخ والتراث.
«وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون»
جريدة الصحراء الغربية المستقلة | مقال رأي | العدد 12




