
اتصل بي البارحة الكاتب الكبير والروائي امبارك ولد بيروك، مثقلا بهم يتجاوز حدود اللغة إلى تخوم المصير: كيف نصنع مصطلحا جديدا، جامعا، يعيد لحمة الناطقين بالحسانية في هذا الفضاء، بعد أن تآكل مصطلح "البيظان" وانزلق من كونه توصيفا ثقافيا واسعا إلى وسم ضيق، محمل بأثقال الصراع على السلطة، ومشدود إلى جماعات بعينها (العرب والزوايا)، بعد أن كان مظلة رمزية تضم الحراطين، وبعض لكور، ولمعلمين، وإيگاون، وسائر الفئات التي تشكلت تاريخيا داخل هذا النسيج المعقد.
لم يكن هم مثقفنا المتميز امبارك بيروك لغويا محضا، بل أنتروبولوجيا بامتياز. فالمصطلحات، حين تولد، لا تكون بريئة؛ إنها تخلق ما تصفه بقدر ما تصفه. وحين تموت أو تختطف، تترك خلفها فراغا رمزيا خطيرا، فراغا تسكنه التوترات، وتداعيات سوء الفهم، وتعيد فيه الجماعات تعريف ذاتها لا بوصفها "معا"، بل "ضد"!
إن إلحاح استاذي امبارك مفهوم. فنحن أمام لحظة انكسار في الخيال الجمعي: الاسم الذي كان يجمع صار يفرق، والهوية التي كانت أفقا مشتركا تحولت إلى أداة فرز. وفي مثل هذه اللحظات يكون الصمت تواطؤا مع التفكك. فإذا لم نبادر إلى صناعة مصطلح جديد، يوازي في سعته ودلالته مصطلح "لمور" في الفضاء الجامع، فقد نجد أنفسنا ، كحالنا اليوم، وسط دوامات هوياتية لا يمكن ضبطها ولا التفاوض معها، دوامات تدار بمنطق الغلبة لا بمنطق المعنى.
الأخطر من ذلك، أن هذا كله يجري وسط لا مبالاة نخبوية مقلقة بسؤال الهوية، وكأن الأمر ترف فكري، أو نقاش مؤجل، في حين أن الواقع يغلي بتحولات عميقة، وصراعات صامتة، وانكسارات رمزية لا ترى بالعين المجردة، لكنها تعمل ببطء في عمق المجتمع.
الهوية هنا ليست شعارا، بل بنية شعورية، وإذا لم نحسن تسميتها، ستسمي نفسها بأسماء أكثر حدة وأقل رحمة.
إن صناعة مصطلح جامع للناطقين بالحسانية ليست تمرينا لغويا، بل فعل مقاومة رمزية ضد التفكك، ومحاولة لإعادة بناء "نحن" على أسس ثقافية وتاريخية مفتوحة، لا على خرائط السلطة ولا على تصنيفات الامتياز.
هي دعوة إلى استعادة المعنى قبل أن يستكمل العنف الرمزي عمله، وإلى التفكير في الهوية لا بوصفها ميراثا مغلقا، بل أفقا مشتركا قيد التشكل



