مرثية حياة رجل خارج الحسابات!

اثنين, 05/01/2026 - 14:21

​يجلس في ركنه البعيد، يراقب العالم ببصيرته النافذة وهو يغرق في عتمةٍ مطبقة. هو في الحقيقة شابٌ سُحل في مِسلاخ الأيام حتى غدا جسد رجلٍ طاعن في السن؛ تراه فتشعر أن المآسي قد سرقت نضارته وأبدلتها بتجاعيد الخذلان وتعب العقود. لا تلمحه العيون في الزحام، فهو قابعٌ في غرفته المظلمة يصارع عزلةً فُرضت عليه، ويتآكل بصمتٍ لا يسمعه سواه.

​يخبئ هذا الرجل في جيبه بطاقةً صادرة عن وزارة العمل تصف إعاقته بـ "العميقة"، لكنها مجرد ورقة صماء منحته "شهادة كفاءة في المعاناة" فقط. كان الأجدر بتلك الجهة أن تمنحه عكازاً يتوكأ عليه أو مسنداً حقيقياً يقي عثرات الزمان، لكنها منحته جمر التهميش بدلاً من ذلك؛ حبراً لا يضمن له حقاً في ضمانٍ اجتماعي، ولا يوفر له تأميناً صحياً يضمن دواءه ودواء أطفاله، بل إنه حتى لا يمتلك سكناً يأويه سوى تلك الجدران التي تضيق عليه. يعيش في "منطقة الصفر"، غائباً عن كشوف برامج "التكافل الاجتماعي" أو "تآزر"، تلك المسميات التي تتبدل ويبقى هو خارج حساباتها.

​يصارع التهميش بمفرده، وكأن حقوقه تبخرت خلف المكاتب المغلقة. يراقب الناس كلماتٍ تُنشر هنا وهناك، يتأثرون بصدقها، لكنهم لا يبصرون اليد التي تخطها في الظلام، ولا يعلمون أن صاحبها ما فقد بصره إلا وهو يحمل قضايا المكلومين على عاتقه، مستنزفاً نور عينيه في معالجة مآسي الآخرين، في حين لا تتوفر له اليوم "بطاقة صحفية" تثبت هويته المهنية التي أفنى فيها عمره.

​وبينما كنتُ أسرد لكم تفاصيل هذا الحرمان المركب، وأرسم صورة هذا الشيخ القابع في جسد شاب، وهو يصارع لتأمين دواء أطفاله في وطنٍ نسيه.. شعرتُ ببرودة قلمي وهو يتوقف عند نقطة النهاية.. لأدرك أنني لم أكن أصف غريباً، بل كنتُ أكتب مرثية حياة؛ لأن هذا الرجل هو للأسف.. يحياوي محمد الامين ولد يحيى