
حيث لا تزال تلك الأطباق السماوية تلوح في أفق ايراتوم، ترمي للناس وعودها بأن الأمل قادم.
بدأ الأمر بصرخة مواطن عادي وسط الزحام: "إني نذرت للرحمن صوماً، فصوموا أيها الغافلون ما دمتم مغفلون". كانت هذه الكلمة هي الشرارة والتعويذة التي أطفأت ضجيج دولة ايراتوم وعاصمتها طاش كاون لخمس سنوات، حيث قرر الشعب الاعتكاف عن الكلام والسمع في مأمورية سياسية جعلت الصمت سلاحاً فتاكاً لا يُصد ولا يُرد.
تحول المواطنون إلى أشباح مهيبة؛ يمشون في الأسواق بوقار، يستغشون ثيابهم ويرفعون أكمام دراريعهم فوق رؤوسهم ليصنعوا حصوناً قماشية تحميهم من سموم الدعاية. كانوا يخرجون للمساجد بذات السكينة، يسمعون الأذان فقط، ثم يعودون ملثمين بصمت مطبق، يجعلون أصابعهم في آذانهم من شدة صواعق بوق «قصر الصُّور العظيم»، غير آبهين بنفخه الذي كان يصرخ من شرفات القصر في فراغ لا يملؤه إلا صدى عجزها؛ فقد استطاعوا بجدارة أن يهمشوا ذلك الضجيج الذي كان يغشيهم ويتجاهلوه تماماً.
حاولت السلطة كسر هذا الحصار بكل الأساليب؛ فأقامت "مواسم الضحك الإجباري" وفتحت مهرجانات مدائن التراث، واستأجرت المهرجين لانتزاع ولو ابتسامة، فكانت تلك المحاولات الالتفافية بمثابة "حوار طرشان"؛ لكن الشعب واجه العبث بصرامة مذهلة في شوارع طاش كاون. وحين فشل الإغراء، انتقل النظام إلى التنكيل؛ فأصدر أوامر بسحل الناس وضربهم في الشوارع لانتزاع صرخة ألم أو دمعة بكاء. كانت تلك الحشود والمظاهرات بمثابة طوفان، كأنها ملحمة الغضب الصامت؛ تلقوا السياط بجلادة أسطورية، يلفون دراريعهم حول أجسادهم المثخنة بالجراح صامتين، عيونهم شاخصة نحو الأفق بلا انكسار، حتى تحولت هيبة الجلاد إلى ذل أمام كبرياء الصمت.
ومع انقضاء اليوم الأخير، انكسر الحصار فجأة؛ فانزاحت الأكمام عن الوجوه لتكشف عن ملامح النصر، وانفجرت الحناجر بزغاريد النساء وشق الملاحف في هتافات زلزلت أركان «قصر الصُّور العظيم» في طاش كاون، فتساقطت الأبواق. تحول الصمت الذي كان درعاً للمقاومة إلى بهجة عارمة غسلت أوجاع السنين، وسقط النظام لا بالرصاص، بل لأن الأغلبية الصامتة في ايراتوم استعادت صوتها دفعة واحدة، لتثبت أن من يتقن الصمت بوقار، هو الأجدر بالضحك في النهاية بملء فيه.
بقلم: محمد الأمين ولد يحيى يحياوي



