
بما أن القضاء لم يعد متاحا للفقراء، وأغلب أحكامه لا تنفذ، بغض النظر عن طبقة المستفيد منها. فعلى الدولة الموريتانية مراجعة حساباتها المتعلقة به، وذلك بصفة عاجلة !!
تتحمل الدولة جميع المسؤولية فيما يتعلق بتوفير العدل الذي من أسسه تقريب القضاء من المتقاضين، ذلك التقريب الذي كان لبعض سياساتها وقوانينها أثر سلبي عليه.
فبموجب نصوص قانونية معينة تخلت الدولة في عهود سابقة عن مسؤوليتها في مجال تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية الصادرة في المادتين المدنية والتجارية من جهة، وصيرت قرارات القضاء الإداري الصادرة ضها لا تنفذ جبرا من جهة أخرى، ولم تقم بمسؤوليتها في تنفيذ تلك القرارات طوعا.
وعطلت عمدا نفاذ جميع الأحكام الجنائية المتعلقة بالقصاص والحدود والديات، ووفرت للقبائل (العاقلة) حماية من المسؤولية عن الديات بعدما جاءت بقانون التأمينات الذي لم تتحول فيه شركة التأمين إلى عاقلة ولم تتحول فيه التعويضات التي قد تلزمها إلى دية شرعية ولا إلى نصفها أو ثلثها، وإن حصل حكم عليها كان لتلك الشركات أو إحداها المطالبة بالحماية من التنفيذ، بطلبه إلى إدارة مراقبة التامبنات بوزارة التجارة،كاستثناءا على خصخصة التنفيذ في المجالين المدني والتجاري سالف الذكر.
هذا إلى جانب الفوضى العارمة في مجال وثائق ملكية العقارات، والتي وضعت أملاك المواطنين في خطر !!
وفي هذا الاطار أستغرب تماما وجود منح عقاري مزدوج منسوب إلى الدولة دون أن توجد هي كطرف منضم في النزاعات المتعلقة به، لما فيه من خطورة على النظام العام وعلى استقرار المعاملات.
وأستغرب أيضا في هذا الصدد عدم استدعاء المسؤولين المنسوبة إليهم تلك التوقيعات، حتى يعرف القاضي هل هي توقيعاتهم فعلا أم أنها تزوير وانتحال للصفات.
ومن ناحية أخرى فإن إلغاء الدولة للإكراه البدني دون أن تسن قانونا يشترط وجود شركة تأمين تضمن مخاطر المعاملات بين الأفراد قد وفر هو الآخر ملاذ آمن للمحتالين، خاصة إذا سجل المحتال أمواله بأسماء أشخاص آخرين.
تلك هي أغلب العقبات التي تعترض تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية، لكن المشقة سوف تكون أكبر إذا عرضنا عقبات وصول المتقاضي إلى الأحكام نفسها.
فطريق الوصول إلى تلك الأحكام طويل وشاق، إذ يمر بعقبات كثيرة منها اكتظاظ المحاكم، لما تستقبله تلك المحاكم من قضايا مستجدة تزيد على طاقتها الاستيعبية أضعاف المرات، مايجعل برمجة قضية في جلسة حظ لا يتوفر لكثير من الناس.
أضف إلى ذلك دفع المتقاضي مسبقا للمصاريف يشترطها المنفذ -قبل معرفة خاسر الدعوى- وإنحكم بها بعد ذلك على خاسر الدعوى، كافتراض على أن الحكم سينفذ !
هذا كله في غياب مساعدة قضائية تتولى بها الدولة تلك التكاليف إلى أن ينفذ الحكم.
المنفذ يريد مصاريف تبليغ الاستدعاءات وتبليغ القرارات والمذكرات ومصاريف التنفيذ ومصاريف أخرى.
وأتعاب المحاماة هي الأخرى تزيد من معاناة المتقاضي المسكين، مادام اعتماد محام من متطلبات رفع القضية إلى محكمة الاستئناف ومن بعدها المحكمة العليا.
للتذكير فإن الدولة لم تقم حتى الآن بتفعيل المساعدة القضائية رغم وعدها بها.
ولم تعط امتيازات للمحامين المدافعين عن حقوق الفقراء ممن تدفعهم اعتبارات إنسانية ووطنية، لا اعتبارات قبلية أو شرائحية.
وبالمناسبة أطالب الدولة بمراجعة سياسلتها القضائية بشكل عاجل يضع للفقراء حسابا في عملية التقاضي، وبشكل يحفظ لهم حقوقهم وكرامتهم ويغنيهم عن اللجوء إلى محيطهم الشرائحي والقبلي، حتى تبقى عملية التقاضي بعيدة عن التأثير الشرائحي والقبلي الذي يشكل خطرا عليها وعلى مقومات الدولة.
فالعدل أساس الملك، وينبغي توفيره للجميع دون تمييز، وبعيدا عن الطبقية.
اتقوا الله في الرعية.
الأستاذ محمد سدينا ولد الشيخ/ محام



