وادي المرايا (5): زيزعُ الحقيقةِ ونزغُ الأشباح وتحويل الأموال - تفكيك وحل الطلاسم ولعبة الرموز

أربعاء, 14/01/2026 - 11:15

​"أنا هنا لستُ عالماً ولا مُنظراً، بل أنا مجرد كفيفٍ يعبثُ في وادٍ، كنتُ ألمسُ مكعبات الحروفِ بيدي كما يتلمسُ العابرُ طريقه في العتمة. قد أدركُ بقلبي مواضع النقط مسبقاً، وأعرفُ ما تخفيه الحروف في ذاكرتي، ولكنني في هذا الوادي المسكون لستُ إلا ريشة في مهب الغيب؛ قد لا أرى ما تفعله الريحُ بتلك النقطة في لحظتها، ولا أدركُ كيف أطاحت بها الزيزع، لكنني مسكونٌ بهاجس هذا الوادي الذي يقلبُ الحقائق ويُبدلُ الصور في أرجاء جمهورية إيراتوم.

​يا سادة، أنا أكتبُ بصفاء البصيرة لا بحدّة البصر، ومن رأى في مراياي وجهاً يعرفه، فليعلم أنَّ المرآةَ تعكسُ ما في عقلِ الناظرِ إليها، لا ما في قلبِ الكفيفِ الذي يحملُها فوق أرصفة طوشكاون.

​في تلك الحلقة الثانية، اشتدَّت الريحُ في الوادي، فكانت الزَّيْزَعَةُ والزوبعةُ الهائجةُ المنبثقةُ من نفاذاتِ الأطباقِ الطائرةِ المسكونةِ بهاجسِ العفاريتِ التي حومت فوق سماء طوشكاون. أطاحت هذه الريح بـ (نقطة الغين) لتسقط بعيداً، بفعلِ التلاطم والاصطدام الذي دحرج النقطة في أزقة إيراتوم. لقد كان الغينُ (ينازغ) الحقَّ في الوادي بـ (نزغٍ) شيطاني استلهمتُ وتحرَّزتُ به لقوله تعالى: {مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي}؛ فكانت هذه الآيةُ حرزي الذي منع عني (المَسَّ) والمسخَ. وبفعلِ (الزيزع) وذاك التلاطم، طُمست النقطة ليعود الحرفُ إلى أصله الأول في العصر الكوفي؛ حيث الحروفُ عارية من النقط، وحيث عاد الغينُ إلى أصله تماماً كالعين، علوّاً يجمع بين هيبة (معاوية) ونقاء (علي)، فالعين هي القاسم المشترك والوضوح الذي لا يتبدل في رؤيتنا لـ إيراتوم. وكان يجب أن لا تنقطع تلك الشعرة، شعرة معاوية، بين علي ومعاوية، فهي خيطُ الوصلِ الرفيع الذي يضبطُ ميزان الحكمة.

​أما عن (مأرب)، فهي ليست مكاناً نائياً ولا ريماً، بل هي مأرب الأساطير المسكونة بعفاريت الجن وسيل العرم، حيث يقتحمُ (قاضي الأشباح) الزنزانة في وادٍ يشبه (وادي عبقر) على تخوم طوشكاون، ليقضي بـ (بلا ظلام) ويكشف المستور وتضيء الزوايا المعتمة.

​وخلف غبار تلك الزوبعة وفي ختام هذا المشهد، انكشف خبرُ الأموال التي سيقت إلى وادي عبقر كجلود (مسالخ) نُزعت من أهلها؛ هناك كانت الساحرة 'الغينة' تباشر طقوسها بغسيل تلك الجلود والمسالخ، لسلب بريق حرف 'الميم' وتحريكه ليصبح 'غيناً'؛ فاستحالت في قماقمها من أموالٍ إلى 'أغوال' سُجنت بطلسم الغين تحت أنظار حراس إيراتوم. وحجتي بفضولي وذهولي اللذين يلامسان ذلك الوادي، أني بطمس النقطة وردّ الحرف إلى زمنه الكوفي، قد فتحتُ تلك القماقم في قلب طوشكاون، فتبخرت الأقوال وصارت ذلك الدخان الذي رأيتموه يتصاعد في الجزء الثاني؛ دخانٌ تبخر من القمقم وصار رماداً تذروه الرياح، فمن يطالبني بردِّ ما كان في القمقم كمن يطارد سراباً بقيعةٍ في سماء الغيب.

​ختاماً، يا من تنصبونَ لي فخاخَ التأويل في إيراتوم، أنا كاتبٌ يرى العالم بقلبه لا بعينيه. إذا كانت ريحُ (الزيزع والزوبعة) قد دحرجا النقطة، وإذا كان (قاضي الأشباح) قد اقتحم الزنزانة وقضى بالحق، فهذا فعلُ القدر واللغةِ لا فعلي. ففتشوا عن الحقيقةِ في (العين) التي لا تنام، لا في (الغين) التي ذرتها رياح العفاريت فوق هضاب طوشكاون."

​بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى