
لم يكن سقوط "قصر البازار" مجرد نهاية، بل كان بداية "زمن التيه" الملحمي. استيقظت "طوشكاون" لترى جلادها القديم، ذلك الشيخ الذي ظن يوماً أنه امتلك الأرض وما تحتها، وهو في حالة ذهول كامل. لم يبكِ الشيخ على ما فات ولا على الأديمين، بل جن جنونه على "ثروات السنين" و "ضربات الأعمار" التي سُلبت منه قبل أن يسلبها من أهلها.
لقد كانت الفجيعة في تلك الكنوز التي هربت بوقارها وتركته يحرس الصدأ، وفي الأسرار التي اختطفت بريقها ليبقى هو في العتمة. يجلس الآن، فاقداً لعقله، يرسم في الرمل دوائر مفرغة تتشابك كأنها "حوارات الطرشان"؛ يغلق دائرة ليفتح أخرى في عبث مرير، ويمحو بالدموع أثراً لغنائم صارت دخاناً. أما "الرجل الظل"، فقد كان يعبر فوق دوائر "ماما سيلبل" ببرودٍ يقتل ما تبقى من كبرياء الشيخ. لم يلتفت إليه، ولم يعد يعنيه أنين المجنون في رماله؛ فالظل لا يحارب الموتى، بل يخطو بمفاتيحه الصدئة نحو "قصر الرماد" ليوهم الرعية بأن العرض مستمر، بينما الحقيقة أن أحشاء الأرض قد أُفرغت، ولم يبقَ للناس إلا مراقبة شيخ يذوب في ذهوله وظل يبتلعه الصمت.
لكن خلف جنون الشيخ وبرود الظل، كان "المخزن العتيق" يراقب المشهد من شقوق الجدران القديمة. تلك المؤسسة الخفية التي لم تكن يوماً مجرد مبانٍ، بل هي "العقل الباطن" لإيراتون؛ هي من رتبت غدر الرفاق، وهي من هندست "صراع الأجنحة" لتضمن ألا يخرج الزمام من قبضتها.
بينما كان الشيخ يرسم دوائره في الرمل، كان سدنة المخزن يمسحون الغبار عن خرائط قديمة، يعيدون تدوير الوجوه والولاءات في غرفهم المظلمة. بالنسبة لهم، الشيخ والظل ليسوا إلا أدوات مؤقتة في لعبة البقاء الكبرى. لقد ضمن المخزن أن تظل الثروات تصب في قنواته السرية، بعيداً عن ضجيج القصر وتيه الجماهير؛ فهي النواة النائمة التي لا تستيقظ إلا لتعيد ترتيب الفوضى لصالحها. إنهم "الثابت" الوحيد في معادلة "المتغيرات" العبثية.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى



