
عديدةٌ هي أساليب «الإقصاء» داخل القبة السوداء لظلالِ «المخزن»؛ فإما أن تكون بانتهاء المأموريات في رابعة النهار، أو بالنفي، أو بالسقوط في عتمة «الليل»، وكما يخطط بذلك دائماً؛ ففي جمهورية «إيراتوم»، لا تسقط أوراق التوت بفعل الخريف، بل تُنتزع قسراً لتُقدم قرابين على مذبح البقاء. يُعد «سدنة الهيكل» هم اللاعب الخفي والمحرك الفعلي للقدر؛ يقطفون أوراق الشجرة ورقة تلو الأخرى، حيث تحمل كل ورقة اسماً يُلقى به في العدم كقربان لضمان ديمومة نفوذه، ودفء عرشه، واستمرارية سطوته التي لا تنتهي.
في تلك الحقبة الغابرة، كان الديكتاتور «السفياني» هو القائد العام، يبسط نفوذ عرشه فوق «توشكاون» بتزوير الإرادة وتعبئة الصناديق قسراً. وعندما اهتزت أركان حكمه في ولاية «الوجار»، دفع بذراعه الضاربة «المرعب»، الذي أخمد التمرد بالحديد والنار، حيث قطع رأس والي الولاية وقدمه قرباناً لولائه، رامياً به تحت قدمي سيده «السفياني»، وظل ظلاً وفياً له عقدين من الزمن، قبل أن يستدير عليه في لحظة غدر خاطفة لينتزع التاج.
أما اليوم، فإن «السفياني» هائم في تيه الربع الخالي، تطارده أشباح الأرواح المعذبة وأصوات القبور التي توصد في وجهه أبواب العودة. وفي المقابل، سقط «المرعب» في شباك «الذئب المغوار»؛ إذ ناله غدر صامت ورحيل مريب يلفه الغموض، تماماً كما جرى مع «المؤتمن» الذي استُخدم كواجهة وصية قبل أن يفتك به «الذئب» ليخلو له وجه الساحة.
لكن ناموس طبيعة «وادي المرايا» في جمهورية «إيراتوم» لا يحابي أحداً؛ فها هو «الذئب» يقبع اليوم متدلياً في غياهب تلك «البئر السحيقة» التي باتت سجنه الأبدي. أما الحاكم الحالي «الصامت الداهي»، فقد شيد عرشه فوق فوهة ذلك «الجب المظلم»؛ يراقب أنفاس خصمه المكسور بحثاً عن سكون واهم.
لكنه حين يحدق في الأسفل، لا يرى «الذئب» وحده، بل يرى وجهه هو أيضاً منعكساً على سطح ماء «البئر» كمرآةٍ تواجهه بمصيره، محاطاً بوجوه كل الذين رحلوا قبله وهم يحدقون فيه من القاع المظلم، ينتظرون اللحظة التي يرمي فيها «المخزن» بورقته هو الآخر لتستمر الديمومة، وتكتمل في «إيراتوم» فصول الخديعة الكبرى؛ حيث يظل الجميع يفتتن بخفايا الصراع على «كرسي الموت»، لاهثاً وراء قبضته على «صولجان عرش الشيطان».
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى



