
توفي ليلة السبت ،مساء 16/1/2026،عبد العزيز ولد اعلي،رحمه الله، و بحكم أبوته للرئيس السابق دخلت الفاجعة فى سياق الشأن العام و تم التعليق على كل ما تعلق بها،و اتفق أغلب المعلقين علنا،رغم طابع التحفظ،على الاستياء من عدم حضور ولد عبد العزيز للصلاة على والده و تعذر حضوره التعزية،فالموريتانيون بطبعهم المتسامح لا يباركون التضييق على رؤسائهم السابقين،فهم ينتقدونهم أيام الحكم،حتى إذا غادروا الكرسي حنوا إليهم و ذكروهم و أشفقوا عليهم.
و بغض النظر عن تفاصيل الرد من قبل إدارة السجون على طلب هيأة الدفاع عن الرئيس السابق،فإن الموت مصير الجميع و لا وجه للتشفى فى هذا المقام،و مبررات إسلامنا و إنسانيتنا كان أجدر بها تيسير كافة الظروف و التنازلات المؤقتة ليتمكن رئيسنا السابق،محمد ولد عبد العزيز من الصلاة على والده،رحمه الله، و تشييعه و استقبال التعازي من قبل الجميع،و ما سوى ذلك لا يخدم سمعة الدولة الموريتانية البتة.
و فعلا لقد خففت تعزية محمد ولد بلال و وفد حزبه من هذا الجو التصعيدي،و لا شك أنها على الأرجح بتوجيه من الرئيس ،محمد ولد الغزوانى،لكن ما حصل كان يمكن تكييفه مع جو المصيبة وعقلية الموريتانيين المتسامحة.
و لطالما كررت بأني غير راغب فى محاكمة الرؤساء الموريتانيين فيما يتعلق بتهم الفساد المروجة،نظرا لاحتمال تحول هذه المحاكمات لفرصة لتصفية الحسابات،و قد لاحظنا بأن اللائحة الطويلة اقتصرت على ولد عبد العزيز و ثلاثة أشخاص فحسب،أحدهم زوج ابنته،و ظلت هذه الحصيلة محل جدل عميق مع جدال مستمر حول توقيف ولد عبد العزيز و سجنه،و بغض النظر عن هذه الجدلية فإن الظروف الصحية للرئيس السابق قد ساءت، على دعوى محاميه، و استمرّ سجنه لسنوات.
و استقرار الوطن و ضرورة ترسيخ العلاقات بين مختلف مكوناته،تستدعى تجنب التصعيد،فإن افترضنا ضرورة العقاب فقد حصل،و لقد باتت وضعية الرئيس السابق تؤثر سلبا على البعد العمومي،و بالنسبة لي شخصيا لا أظن أن الرئيس غزوانى راغب فى التصعيد،و قد يكون من بين الحاشية من لا يرغب فى التهدئة،و من منطلق الرغبة فى التهدئة حاضرا و مستقبلا،أدعو للإفراج عن ولد عبد العزيز، و لعل ذلك أيضا،إن حصل،سيصب فى الاتجاه المرغوب لنجاح الحوار المرتقب.
و نظرا لطبيعة التركيبة المتنوعة الفسيفسائية لمجتمعنا و صعوبة تحقيق محاكمات متجردة لصالح الرؤساء محل الاتهام المحتمل،فإننى شخصيا أعارض،و لو مؤقتا،محاكمات الرؤساء،سواءً تعلق بمحاكمات حالية أو محتملة،و من أجل تفادى زعزعة الاستقرار الهش،رغم أهمية ما هو موجود منه،مهما كان ناقصا.
و من يريد مصلحة الوطن،و مصلحة النظام الحالي ينبغى أن يحث على التهدئة و التسامح و التقارب،اليوم و غدا،و ما حصل من تصعيد فى موضوع ولد عبد العزيز لا يخدم الاستقرار السياسي و اللحمة الاجتماعية و لا يخدم الحوار المرتقب،و حان للرئيس العودة لمسار التهدئة و الإقدام على هذا الإجراء المطلوب،الإفراج عن الرئيس السابق و تعزيز أوجه التلاقى، و التضييق فى المقابل على نقاط الاختلاف و التنافر.
و لا ينبغى أن نبالغ فى دور القوة العمومية و قدرتها على القمع و الضبط و الهيمنة ،فهذا موجود لكن القوة و الأساليب الناعمة مهمة أيضا،و نلاحظ مستوى مقدر ،و لونسبيا من الانضباط لدى أقارب ولد عبد العزيز منذ اندلعت معاناته و ورطته،لكن السلطة الحالية تحتاج لتفعيل أسلوب التقريب و الاستيعاب،بمختلف الطرق الودية اللائقة.
و قد جربت من خلال تجربتي الخاصة بعد السجن عدة مرات تفضيل البعض التضييق و التجاهل،بدل جبر الخاطر،لكن التجاهل و التضييق قطعا ليس أفضل طريقة للحكم الراشد الإيجابي،و حان لهذا النظام تفعيل السياسات الناعمة،فلقد اتسمت المأمورية الثانية،بحالات عديدة من التصعيد ،خصوصا ضد الإعلاميين و بعض السياسيين المناوئين،و جدير بنا جميعا الإجماع على التهدئة و بذل كل جهد من أجل التعايش و الاستقرار



