الزبونية التي تحول المواطن الي قطيع/ محمد فال بلال

اثنين, 02/02/2026 - 08:09

.أبحث عن كمية كافية لملء شاحنات وحافلات وباصات ومقطورات".

"حاضر، أنا أملأ لك حافلة».

«حافلة واحدة؟ لا، لا تكفي، أريد اثنتين أو ثلاثة»،

وهذا جاري عندُ "شي" .. يستطيع أن ياتي بباص أو باصين.

«بل شاحنة نقل كاملة، محمّلة حتى آخر صفيحة».

"طيِّب، اتفقنا! كلكم يمشي إجيب ألِّ عندُ".  وأعطوني أرقام بنكيلي".

كنتُ شاهدًا على هذا الحوار العجيب بين ناشط سياسي وبعض القرويين في الداخل. ومع تكرار الحديث بينهم عن الحافلات المكتظة والشاحنات والباصات، حسبتُ أن الرجل جاء يعقد صفقة لشراء قطيع من الماشية: رؤوسٌ تُعدّ، وأحمالٌ تُقدّر، وأثمانٌ تُدفع.

غير أن الوهم لم يطل. فما إن تقدم الحديث حتى انكشف المقصود: لم تكن الحافلات تُملأ بالبقر ولا الغنم ولا الإبل، بل بالبشر! ولم تكن الشاحنات سوى استعارة فجة عن حشد بشري يُقاس بالكثرة لا بالعقل.

و بعد التأمل في هذا الحوار، أدركت معنى "الزبونية" السياسية التي تُحول الإنسان إلى سِلعة أو قطيع. وهي مظهر من أكثر مظاهر الفساد تسلّلًا وخطورة في المجتمعات المعاصرة. قد تكون أقلّ وضوحًا من القهر والتزوير والسرقة البشعة، لكنها تعمل في العمق، فتقوّض كرامة الإنسان حين يتحوّل إلى بِضاعة أو حيوان يساق إلى الشارع وفق مصالح السياسيين.

تقوم العملية على عقد غير متكافئ: يُوفِّر "السياسي" الامتيازات والخدمات (وظائف، أموال، صفقات، تسهيلات، إلخ .. ) مقابل الدعم والولاء. وقد يتخذ هذا الولاء شكل تصويت، أو طاعة عمياء، أو صمت، أو تلميع، أو تعبئة ظرفية، أو تشويه صورة خصم. وهكذا يتحوّل الفعل السياسي، الذي يُفترض أن يكون حرًا وعقلانيًا، إلى صفقة بيع وشراء. المواطن هنا لا يختار، بل يبيع. وغالبًا ما يبيع تحت الإكراه. ورجل "السياسة" لا يُقنِع ولا يفوز، بل يشتري. لذلك، فإن الزبونية تزدهر حيث يسود الفقر والبطالة. في مثل هذه الظروف، لا يكون الولاء تعبيرًا عن رأي، ولا يكون الدعم خيّارا، بل وسيلة للحصول على لقمة العيش. ويصبح الحديث عن “شعبية فلان أو علان" ضربًا من الوهم.

هكذا، تعيد الزبونية السياسية تشكيل العلاقات الاجتماعية بطريقة مشوهة.

فالمواطن لا يكون صاحب حق، بل موضوعا للمقايضة. لا تُقاس قيمته بكرامته أو إنسانيّته، بل بمدى شحمه ولحمه الانتخابي. ويتم التعامل معه مثل القطيع: يُحصى ويُنقل ويُجمع، وأحيانًا “يُوسم" بمَيسم عشيرة أو حلف أو زعيم. "هذا من خَلق فلان".. لا يُطلب منه أن يفكر، بل أن يطيع. ولا أن يشارك، بل أن يتبع. ومع تفشي هذه الظاهرة تتآكل فكرة الصالح العام. ويغدو الولاء للأشخاص، لا للدولة.

محمد فال ولد بلال