
في "إيراتون"، حيث كان الكرسي شاغراً بهيبة الشورى، ظنت "فئران السفينة" أن غياب الحاكم الفرد يعني غياب الرقابة، فشرعوا في نخر هيكل الوطن، فحاولوا إغراق سفينة وادي المرايا بما فيها لتصفو لهم الغنائم.
لكن "إعصار الإصلاح" باغتهم؛ فبدلاً من السجون المريحة، نُزعوا من برودة مكاتبهم المكيفة ليُلقوا تحت صقيع الشمس الحارق ودخان الأفران اللاهب في الأحياء المنسية. هناك، أُجبروا على مكابدة الأعمال الشاقة والعيش وسط ضنى الحيوات التي سحقوها، ليتجرعوا مرارة الحرمان بعيداً عن ترفهم المسروق، وليحترقوا بنار المعاناة التي أججوا لهيبها يوماً ما بفسادهم.
لقد جُردوا من كل شيء حتى صاروا في بؤسهم سواءً مع المواطنين التعساء الذين ظلموهم يوماً، وهنا تجلى "إعصار العدالة" في حقيقته؛ فلم يكن مجرد عقاب للأبدان، بل كان إعصاراً اقتلع الأموال التي انتُزعت بطرق غير شرعية ليعيدها إلى "صندوق هيبة الدولة". وبفعل هذا الاسترداد، وُضعت أحجار الزاوية لبناء جمهورية إيراتون، بعدما تبيّن أن نخر هؤلاء الفئران للهيكل لم يكن إلا تمهيداً لملكٍ كان وراءهم يأخذ كل سفينةٍ غصباً، فصاروا بفسادهم أعواناً لغصبه، وبنهبهم أدواتٍ لنهبه الأكبر.
ولم يكن هذا الإعصار إلا غلافاً لكتابٍ أشد هولاً، بدأت صفحاته تنفتح على مشهد العروش التي تسقط فوق خزائن لا تُغلق، حيث اكتشف أهل "إيراتون" أن ما نخرته الفئران في السفينة لم يكن إلا قشوراً أمام "الثقوب السوداء" التي كانت تبتلع أطنان الذهب والماس يومياً، ليبقى السؤال المعلق فوق أسوار "طوشكاون": كيف يفيض الوادي تِبراً ويجوع أهله لـ "خنشة" أرز؟ إنها مقدمة العبور إلى "سياج الملك" حيث تُحبس الأرزاق في زنزانة نرجسية لا تعرف الشبع.
بقلم محمد الأمين ولد يحيى يحياوي



