رأيي في المأموريات.. بين الأمس واليوم */ محمد فال بلال

أربعاء, 04/02/2026 - 10:35

كنتُ من أنصار دستور 1991 القاضي بعدم تحديد عدد المأموريات الرئاسية. ولم يكن هذا الموقف ظرفيًا، بل كان تعبيرًا عن مبدأ ديمقراطي أصيل دافعتُ عنه بوضوح خلال النقاش الذي أُثير بعد انقلاب 2005، ثم طوال الحملة الاستفتائية 2006. قلت حينها إن التعديلات الدستورية المقررة برعاية المجلس العسكري، لم تكن سوى محاولة لتجميل الانقلاب، وتغليفه بعطرٍ زائف. أرادوا بها أن يبيعوا الانقلاب للناس على أنه حلوى شرعية.

في ذلك الوقت، كان رفضي لتحديد عدد المأموريات الرئاسية، وتقليص المأمورية من 6 إلى 5 سنوات، وتحديد سن الترشح لمنصب رئيس الجمهورية - قائمًا على مجموعة من القناعات الراسخة.

- أول هذه القناعات هي سيادة الشعب. ففي الديمقراطية الحقيقية، يعود للشعب وحده الحق في اختيار قادته بحرية كاملة، دون قيود مصطنعة. وفي هذا الإطار، فإن منع مواطن من الترشح، أو حرمان الشعب من تجديد ثقته في قائد يراه كفؤًا، هو في الحقيقة تقييد غير مبرر للإرادة الشعبية.

- أما القناعة الثانية فتتعلق باستمرارية العمل العمومي. فالتنمية، والاستقرار المؤسساتي، وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية العميقة، كلها مسارات تحتاج إلى طول الوقت. وحصر ممارسة السلطة في مُدَد جامدة قد يؤدي إلى سياسات قصيرة الأمد، تحكمها المواعيد الانتخابية أكثر مما تحكمها متطلبات المصلحة العامة.

- والقناعة الثالثة تتصل بمسألة العقليات والممارسات المتخلفة في مجتمعنا، وضرورة العمل على تغييرها لإرساء قواعد اللعبة الديمقراطية. وبهذا الخصوص، كنت أنظر إلى إغلاق المأموريات باعتباره خطرا أو مغامرة في بلد يُنظر فيه إلى الرئيس بوصفه: «أب الأمة»، والمنقِذ، والمخلِّص، وحامي الوحدة ، وضامن البقاء والاستقرار، إلخ..

- والقناعة الرابعة تتعلق بمبدأ الديمقراطية التمثيلية نفسها التي بدأت تفقد بريقها  أمام أشكال أخرى من الشرعية السياسية. وقد كتبت مقالات كثيرة حول تراجع  الشرعية الانتخابية في وعي الرأي العام، أمام شرعية "النجاعة" و"الجدارة" و"الكفاءة". وقلتُ بأن النموذج التمثيلي الكلاسيكي لم يعُد يتمتع بنفس الجاذبية التي كان يتمتع بها سابقًا، خاصة في مجتمعات تتطلع إلى نتائج سريعة وحوكمة فعّالة. وهذا التحول، في نظري ، يحدُّ من ألق الديمقراطية الغربية، ويغذي نزعة تكنوقراطية أو نخبويّة، قد تأتي على حساب الشرعية الانتخابية.

* اليوم

وقد تقرر تحديد عدد المأموريات دستوريا  عبر استفتاء شعبي (2006)، وتحقق بموجبه التناوب فعليًا وبنجاح (2019)، فقد أصبح هذا المعطى واقعًا مؤسساتيًا قائمًا، سواء كنا قد عارضناه من قبل أم أيّدناه. وكان من أهدافه: ضمان التناوب السلمي على السلطة، وتجديد النخب السياسية، وترسيخ مبدأ خضوع الحاكم للمساءلة، ونزع القداسة عن الوظيفة الرئاسية. وبالتالي، فإن أي مشروع يرمي إلى التخلي عن هذا الإنجاز، لا بُدَّ وأن يجيب عن أسئلة جوهرية؛ منها: هل أصبحت الدوافع والأسباب وراء تحديد عدد المأموريات متجاوزة؟ هل زالت تلك الأسباب فِعلا؟ وهل كان رفض المأمورية الثالثة 2019 خطأ ينبغي ألاّ يتكرر؟

في انتظار الرد على هذه الأسئلة، و صونًا لمصداقية الدولة وهيبتها، فإني لا أنصح بفتح المأموريات الرئاسية في الظرف الراهن، لأن ذلك سيكون تراجعا في الحَوكمة على المدى البعيد، ومجازفة سياسية غير محسوبة على المدى القريب.

وأخيرا، أنبِّه إلى أن رفض تعديل الدستور فيما يتعلق بمدة وعدد المأموريات لا علاقة له بتقييم حصيلة العشرية الراهنة، وإنما يندرج في إطار موقف مبدئي نابع من رؤية واضحة لإدارة شؤون الدولة، ومنسجم مع النهج السياسي ومنطق الحكم الذي يعمل فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على تكريسه وإرسائه