روحانيات رمضان: ح13. لغة الظاء والظهور الإلهي

خميس, 05/03/2026 - 15:58

​الحمد لله الظاهر بآياته، العظيم في ذاته، الحفيظ لخلقه، والصلاة والسلام على النبي الظاهر، المبعوث باللسان العربي المبين.

​أما بعد،

فقد شاع بين الناس تسمية لغتنا العربية بـ 'لغة الضاد'، وهو لقب يحتاج إلى وقفة تدبر وتصحيح. فكيف يكون حرف 'الضاد' شعاراً للغة القرآن وهو الحرف الذي طرده الله من سياق الإنعام في أم الكتاب (سورة الفاتحة)؟ إن المتأمل في قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} يجد أن الضاد ارتبطت بآيات الغضب والضلال، وهي سياقات نفي واحتراز.

​والتدقيق اللغوي والروحاني هنا يظهر أن الحق سبحانه لم يكتفِ بذكر الضاد في سياق الضلال فحسب، بل نفاه مرتين؛ مرة بأداة النفي 'غَيْرِ' في (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ)، ومرة بأداة النفي 'لَا' في (وَلَا الضَّالِّينَ). هذا الطرد المزدوج لهذا الحرف من دائرة الإنعام والرضا يؤكد أن لغة الوحي أسمى من أن تُنسب لحرفٍ مقترنٍ بالنفي والضلال في أم الكتاب، حتى لا يكون له وجود في مقام القرب.

​وإمعاناً في بيان حال هذا الحرف، نجد أن قراء القرآن وأهل التجويد قد استعلوا عليه في الأداء؛ فبدلاً من ركاكة نطقه دالاً مفخمة، ذهبوا بالفطرة واللسان السليم إلى نطقه ظاءً في قوله (ولا الضالين)، ليكون جرس الظاء هو المهيمن حتى في مواضع نطق الضاد، اعترافاً بسيادة هذا الحرف وعلو كعبه.

​وإذ احتج البعض بأن الضاد منها "الضوء"، فإنه كان ينبغي أن تُؤخذ "النون" شعاراً لأن منها "النور"، ولأنها كانت بداية لسورة كاملة هي سورة (ن والقلم وما يسطرون). بل إن "الظاء" أظهر من النون في مقام الظهور وفي الضوء الانجلائي، فهي حرف الجلاء والبيان المطلق الذي يفوق الضوء المادي.

​بل إن الأعجب من ذلك، أن أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين، التي هي أركان الوجود، قد خلت تماماً من حرف الضاد. فليس في أسماء الجلال والجمال حرف ضاد واحد، فكيف نجعله نحن رمزاً للغتنا الشريفة؟ كما أنه غائبٌ أيضاً عن الأحرف المقطعة الأربعة عشر (الأحرف النورانية) التي افتتح الله بها سور القرآن الكريم، مما يعني تجريده من أسرار الفواتح والأنوار.

​إن الأحق بهذا التشريف هو حرف 'الظاء'؛ فهو حرف العظمة والظهور والحفظ، وهو الحرف الذي تفردت به العربية عن سائر اللغات السامية الأخرى إعجازاً ونطقاً، ليختص به لسان الوحي الخاتم. لقد تشرف هذا الحرف بالحلول في أمهات الأسماء الحسنى: (العظيم، الظاهر، الحفيظ). وهو حرف سماوي، وقور في جرسه، يميز لسان العرب ببيانه وجلاله.

 

​لقد جعل الله الظاء سمة لرسوله الكريم حين وصفه بـ 'النبي الظاهر'، وجعله حرفاً يعبر عن ظهور الحقيقة وحفظ الذكر. إن الوقت قد حان لنعتز بلغة الظاء، لغة العظمة والظهور، فهي الأليق بمقام الوحي وبمقام البيان الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بدلاً من حرف التيه الضاد الذي ليس هو للبيان والفصاحة.

 

​بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى