
اغتيال سيف الإسلام القذافي لم يكن مفاجئا لي، وما كان مفاجئا انه تأخر أكثر من عشر سنوات، في ظل حالة الفوضى والانقسام التي تعيشها ليبيا منذ اندلاع ما يسمى بالثورة في شباط (فبراير) عام 2011 بدعم وتخطيط من الولايات المتحدة الامريكية ممثلة بالسيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية في حينها، ودعم وتنفيذ حلف الناتو، ومشاركة العديد من الدول الأوروبية، والعربية ماديا، وسياسيا، واعلاميا.
التقيت العقيد الشهيد معمر القذافي ثلاث مرات في منزله المتواضع في قاعدة العزيزية العسكرية، احداها للنشر، والباقي للحديث الثنائي المباشر عن أوضاع المنطقة العربية، كما التقيت ايضا نجله، وولي عهده المفترض الشهيد سيف الإسلام عدة مرات جميعها في منزله المتواضع في العاصمة البريطانية، عندما كان يُحضّر لرسالة الدكتوراة في كلية لندن للدراسات الاقتصادية التابعة لجامعة لندن.
الشهيد الراحل كان متواضعا جدا ويتنقل على قدميه، ولم تكن لدية سيارة مصفحة، او جيش من الحراس والمرافقين، وكان كل همه إصلاح بلاده، وانفتاحها السياسي والاقتصادي، وتغيير تركيبة النظام وأسسه فيها، وتوفير العيش الكريم لمواطنيها وبناء بنى تحتية، امنية واقتصادية، وسياسية، وعلمية، وطبية، وكان يقول في كل اللقاءات انه يشعر بالخجل من تخلف النظام التعليمي، والخدمات العامة، وخاصة الطبية، ويتساءل أليس من العار ان يذهب المرضى الليبيون للعلاج في مستشفيات الجارتين مصر وتونس، وبدرجة أقل في الأردن؟
أقولها للتاريخ ان سيف الإسلام كان غير راض عن معظم سياسيات والده، وخاصة ما يسمى باللجان الشعبية التي كان يتبناها نظامه، وكان في جلساتنا يؤكد انه كان يتطلع الى تشكيل حكومة تكنوقراط تتولى مهمة التطوير والإصلاح، يكون وزراؤها من الكفاءات العلمية المتخصصة، وهي مطالب كنت شخصيا أُساندها واشجعها، واحثه على ترجمتها عمليا في أسرع وقت ممكن، وفي إحدى المرات طلب مني ان أساعده بالسفر الى طرابلس ولقاء والده، لمحاولة إقناعه بهذه الأفكار، ولكنني ترددت بقبول الدعوة (آخر زيارة لي لليبيا كانت عام 1999)، لقناعتي بأن العقيد القذافي لن يتراجع عن طريقة حكمهـ ويعتقد انه يسير في الطريق الصحيح.
الشهيد سيف الإسلام، وللتذكير، هو الذي تبنى المصالحة الوطنية، وفتح القنوات مع المعارضة، ووقف خلف قرار العفو العام، ومحاولة تطوير الاعلام وإعطاء مساحة لحرية التعبير (جزئيا)، والافراج عن الفريق الطبي البلغاري المكون من خمس ممرضات وطبيب، كانوا متهمين بحقن اطفال ليبيين بفيروس “الايدز” في مستشفى بنغازي العام لرفع الحصار والعقوبات ضد ليبيا فرضتها دول أوروبية بسبب اعتقال هؤلاء الممرضات، كما ساعد في رفع عقوبات أخرى واخطر مفروضة على ليبيا لاتهامها كذبا بالوقوف خلف إسقاط طائرة لوكربي الامريكية من خلال الوصول الى تسوية بدفع ما يقرب من 3 مليارات كتعويضات، دعما “لجهود” الزميل عبد الرحمن شلقم، وزير الخارجية الليبي في حينها، الذي قاد المفاوضات مع الجانب الأمريكي، واعترف لي السيد شلقم شخصيا ان لا دور لليبيا مطلقا في جريمة التفجير هذه، وانها دفعت هذا المبلغ لإغلاق الملف وشراء أمنها واستقرارها.
السؤال المهم الذي يطرح نفسه بقوة هو عن الجهة التي وقفت خلف هذا الاغتيال وتنفيذه، ولماذا الآن؟
للإجابة على هذا السؤال وتفرعاته، علينا ان نفتش عن الجهة او الجهات المستفيدة من هذه الجريمة، ومن المؤكد انها الجهات الحاكمة التي فشلت في تحقيق الامن والاستقرار والرخاء والعيش الكريم للشعب الليبي أولا، والجهات الخارجية التي تقف خلف المخطط الرامي الى تقسيم جميع الدول العربية وتفتيت وحدتها الترابية والشعبية، وجرى البدء في تطبيقه في العراق وسورية واليمن، وإجبار هذه الدول وخاصة ليبيا على التخلي عن التزاماتها القومية والعربية والإسلامية في دعم القضية الفلسطينية، وادخالها حظيرة السلام الابراهيمي، ومن يتزعم هذا المخطط الشيطاني هي الولايات المتحدة، وتنفيذا للمطالب الإسرائيلية.
***
الشهيد معمر القذافي دفع حياته ثمنا لموقفه الداعم للقضية الفلسطينية والتصدي لمخططات الاستعمار الغربي في القارة الافريقية، وإعلان الحرب على هيمنة الدولار، بإصدار الدينار الافريقي المدعوم ذهبيا، وها هو ابنه سيف الاسلام يدفع ثمن هذا الموقف المشرف، بالإضافة الى ازدياد إحباط الشعب الليبي من حكامه الجدد في الشرق والغرب، وفشلهم في الحفاظ على وحدة البلاد، وتحقيق الامن والاستقرار والرخاء، ووقف نهب العوائد النفطية، بل تصعيدها، وتصاعد الحنين للنظام الليبي العروبي الوطني السابق.
حكام ليبيا الجدد هم اكثر المستفيدين من اغتيال سيف الإسلام القذافي، للتغطية على فشلهم، ومنع صعود البديل الذي يتطلع اليه الشعب الليبي بدعم من الولايات المتحدة واسرائيل ومبعوثيها الى افريقيا ولبنان وسورية والعراق، وهم الذين يقفون خلف هذه الجريمة بالتالي، ولن تكون هناك تحقيقات نزيهة للوصول الى المنفذين.
رحم الله الشهيدين القذافي الأب وابنه، اللذين رفضا مغادرة ليبيا، وقاتلا حتى اللحظة الأخيرة، بشجاعة ورجولة، رغم العروض الكثيرة في هذا المضمار.
هذا الاغتيال يجسد الصورة الحقيقية للانهيار الأمني والسياسي والأخلاقي الذي تعيشه ليبيا، وربما يكون بداية للتغيير الذي يتطلع اليه الشعب الليبي ويستحقه في حياة كريمة.. والأيام بيننا



