في وداع "الإنسان الأخير".. إرهاصات نظام عالمي قيدَ التشكل/ سيدي محمد ولد ابه

جمعة, 06/02/2026 - 11:01

في كتابه “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” يرى الكاتب فرانسيس فوكوياما أن “انتصار الديمقراطية الليبرالية على الدكتاتورية الشيوعية” مؤشر حتمي على سيطرة قيم الليبرالية، ونهاية الصراعات حول العالم، وبالتالي “نهاية التاريخ”.

ورغم أن فوكوياما أعاد النظر جزئيا سنة 2004 في بعض خلاصات كتابه المثير للجدل، والذي يعتبر أشهر كتاب في نهاية القرن العشرين وأوسعه انتشارا، إلا أن الكتاب مثّل –حينها- دعاية مجانية للنظام الليبرالي سرعان ما تلقفته النخب العالمية المشبعة بالأفكار الليبرالية، وزادته “طررا وحواشي” مستفيدة من تساقط دول المعسكر الشيوعي تباعا، في أحضان النظام “العالمي الجديد” بعد سقوط جدار برلين.

صحيح أن الليبيرالية انتشرت بسرعة وبشكل غير مسبوق، خاصة في دول أوروبا الشرقية، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وباتت الديمقراطية بطبعتها “الغربية” وصفة “سحرية” جاهزة لدى المؤسسات المالية العالمية، وصناديق القرض، لـ”إنقاذ” الدول النامية من مستنقع “التخلف والفقر”. لكن بريق هذا “الأمل” الذي ظهر مع “انتصار الليبرالية” سرعان ما خّبا بسرعة، ربما لأن “العالم” كان مُفْرطا جدا في التفاؤل، وحمّل “النظام العالمي الجديد” أكثر مما يحتمل.

وإذا كانت الليبرالية قد فتحت الحدود التجارية، وألغت الحواجز، فإنها تسببت في المقابل في انهيار دول، وسرحت ملايين العمال، وأجهزت على الاقتصاديات الهشة، وهكذا ازدادت الهوة اتساعا بين الأغنياء والفقراء، في كل أنحاء العالم، وتدفق ملايين المهاجرين إلى العالم الصناعي، الباحث دائما على ثروات أكثر، بيد عاملة أرخص، ومواد أولية أقل تكلفة.

ولم يكن المشهد السياسي الدولي، سوى انعكاس للوضع الاقتصادي، حين عمد الغرب إلى تأجيج الصراعات في مناطق مختلفة من العالم، وتدخل عسكريا في مناطق أخرى، فانتعشت سوق السلاح، وعادت الأطماع الغربية للسيطرة على العالم، عبر التدخل العسكري المباشر، لإخضاع المتمردين على “الشرعية”، وإعادتهم للحظيرة (العراق، بنما، أفغانستان، الصومال؛ فنزويلا.. إلخ)، والتلويح بالقوة ضد أخرين (كوريا الشمالية، إيران، كوبا) وتاجيج الصراع هنا وهناك، عبر التواجد العسكري المكثف وفي أكثر من نقطة، وعلى مشارف الممرات المائية الأكثر حيوية.

استغلت الولايات المتحدة ومن خلفها حلف الناتو- بشكل فج -هيمنتها شبه المطلقة على مجلس الأمن الدولي، والخلل الواضح في ميزان القوى العالمية، متجاهلة دعوات إصلاح المنظمة الدولية، وهي دعوات أصبحت أكثر جدية بعد العدوان الصهيوني على “غزة” وما رافقه، من رعاية ودعم غربي، يصل حد الوقاحة.

يقول الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في قمة الاتحاد الإفريقي بأديس أبابا 2024 “..يكفي لندركَ مدى حاجة هذا النظام الدولي إلى الإصلاح، أن ننظر إلى ما يجري بقطاع غزة، من قتل وتدمير، وخرق لمبادئ الشرعية الدولية، وحقوق الإنسان، وكذلك إلى إحجام المجتمع الدولي، عن وضع الثقل المطلوب لإحراز وقف إطلاق نار فوري..”

بينما يرى الرئيس الروسي فلادمير بوتين الساعي لقيادة قطب تنافسي، والتمدد غربا إلى معاقل الغرب التقليدية في إفريقيا، أن النظام العالمي، قائم على النفاق، والمعايير المزدوجة: “إنهم يتحدثون عن نظام عالمي جديد، جوهره هو نفسه في الواقع النفاق والمعايير المزدوجة، والمطالبات بالاحتكار، والهيمنة العالمية، في الواقع هو نظام استعماري جديد”.

وفي إفريقيا دعا الرئيس الأنغولي جواو لورينسو عام 2020 إلى إعادة النظر في تشكيلة مجلس الأمن، لتعكس بشكل أفضل “تمثيل الشعوب والأمم والقارات”.، معيدا نفس المطالب التي صدع بها القذافي وكاسترو وعبد الناصر وتيتو..

هذه الأصوات التي بدأت ترتفع من أمريكا الجنوبية إلى آسيا مرورا بإفريقيا وأوروبا، مثلت صدى حقيقيا وتجسيدا حيا، لرغبة قديمة لدى شعوب العالم.

نذر التمرد

أمام واقع كهذا، بدأت نُذرُ تمرد عالمي تلوح في الأفق، من وقت لآخر، معكرة صفو الحياة الليبرالية الغربية بترفها الزائد، وسطوتها الآخذة في التمدد شرقا، على شكل هلال حديدي يطوق نصف الكرة الشمالي (حلف الناتو).

ويمكن القون إن فشل الولايات المتحدة الأمريكية في الاحتفاظ بقيادتها لعالم ما بعد “جدار برلين” شجع بعض القوى الصاعدة على انتزاع أدوار لها في المشهد الدولي، وإن بشكل متفاوت ومحدود.

تراجعت قدرات واشنطن الصناعية، بسبب تضخم الديون الهائلة، وبرزت قوى جديدة في آسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، في مقدمتها مجموعة بريكس التي تأسست على يد روسيا والبرازيل والهند والصين، وتوسعت لاحقا مشكلة قطبا اقتصاديا هائلا، جعل الكثير من الدول تفكر جديا في التخلص من الارتهان لعملة الدولار الأمريكي الذي يهيمن على اقتصاد العالم منذ العام 1944.

في المعسكر الشرقي استعادت روسيا قدراتها العسكرية، وبدأت حربا ضد أوكرانيا رغم تهديدات الغرب، ودعمه الهائل لـ”اكييف” وتمكنت حتى الآن من السيطرة على قرابة 20% من مساحة هذا البلد، الحليف الغربي الأكثر إزعاجا لموسكو، مبررة ذاك بوجود حق تاريخي لها في المنطقة، فيما يرى أنصارها أن المعركة، ضد أوكرانيا تصحيح لمسار التاريخ، الذي انحرف بعد سقوط جدار برلين، قبل ثلاثين عاما، وهو رأي لا يخلو من وجاهة.

دفعت الأزمة الأوكرانية أغلب دول العالم للسعي وراء مصالحها الخاصة، بعيدا عن الولايات المتحدة التي “تدير سياستها الخارجية بأعين مغلقة، وتتجاهل عن عمد الإشارات التي تشير إلى أن قوتها العالمية تتراجع ببطء، ولكن بثبات” حسب الكاتب روبرت رابيل، في مقال نشره عبر صحيفة The National Interest سنة 2022.

يقول أحد المحللين الغربيين إن نجاح الصين في تطبيع العلاقات الإيرانية السعودية 2024 قد يكون مقدمة لإزاحة الولايات المتحدة من المشهد في الشرق الأوسط.

في أروبا الحليف التقليدي لواشنطن أظهرت الأزمة الأوكرانية؛ والتلويح باحتلال اغريلاند ما خفي من الصراعات بين “الحلفاء” أنفسهم، وأدى الغليان الداخلي، إلى صعود اليمين المتطرف في إيطاليا، وفي ألمانيا تم إفشال محاولة انقلاب على السلطة من قبل النازيين الجدد؛ وفي باريس بدأت نبرة التمرد على واشنطن تعلو.

يُقر الساسة الأوروبيون أن دعم امريكا لأوكرانيا، سبب مشاكل اقتصادية كبيرة للقارة العجوز، فيما استفادت واشنطن من هذه الحرب اقتصاديا على حساب بلدانهم.

أما إيران فانخرطت- دون اكتراث- في التحالف مع روسيا، ومدتها بآلاف الطائرات المسيرة؛ ووطدت صلاتها بالصين بعد عدوان 12 يوما العام الماضي.

وإلى جانب رووسيا ظهرت الصين كقوة اقتصادية وعسكرية قادرة على المنافسة، وشجعتها الحرب الأوكرانية على التلويح بابتلاع تايوان خلال ساعات.

وذهبت أبعد من ذلك حين صرحت انها لن تنخرط في محادثات تجديد معاهدة ستارت للحد من انتشار الأسلحة النووية متعللة بأن مخزونها منها قليل.

ولمواجهة هذا "التمرد العالمي" نفذت واشنطن عملية القرصنة في فنزويلا واختطفت رئيسها الشرعي؛ وبالغت في استعراضها العسكري الضخم في المحيط الهندي وبحر العرب لإرهاب إيران؛ في محاولة أخيرة للدفاع عن هيبة بدأت تتآكل؛ ولتلافي أفول شمس قطب واحد بدأت رحلة الأفول.

نهاية “نهاية التاريخ”

يقول وزير الخارجية الروسي في الجمعية العامة للأمم المتحدة 2023: “إذا لم ترد واشنطن وحلفاؤها التفاوض معنا بشأن نظام عالمي أكثر عدالة، فسيكون علينا خوض ذلك بأنفسنا”.

لا يتأخر الرد الأمريكي كثيرا، فيأتي بعد أيام فقط على لسان الرئيس السابق بايدن في أكتوبر 2023 حين يقر بالحاجة إلى نظام عالمي جديد، ويؤكد- في نفس الوقت- أن الأمريكيين- وحدهم- القادرون على بنائه..

لقد شكل هروب الجيش الأمريكي تحت الظلام من أفغانستان- بعد عشرين عاما- مخلفا آلاف القطع والمعدات الحربية 2021؛ وفشل العدوان الأمريكي الصهيوني المزدوج على إيران 2025 بداية فعلية لأفول الإمبراطورية العسكرية للبنتاغون، وانحسار هيمنة الولايات المتحدة على العالم عسكريا على الأقل.

يقول أحد المحللين متهكما “إن الأمريكيين كقوة جوية وبحرية، لديهم دائما فرصة ركوب طائرة أو سفينة والإبحار إلى الوطن إذا لم تكن الأمور في صالحهم”.

ختاما هناك الكثير من المعطيات التي تؤكد- دون مواربة- أفول شمس القطب العالمي الواحد، وليس أقلها – بالإضافة إلى صحوة الدب الروسي- صعود اليسار بقوة في أميركا اللاتينية، التي مثلت خنجرا في خاصرة الولايات المتحدة، منذ خمسينات القرن الماضي، إذ فاز فيها منذ العام 2018، مرشحو اليسار في الانتخابات الرئاسية في الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي والمكسيك وبيرو وكولومبيا والبرازيل.

كما بدأت تظهر في أوروبا نفسها وفي إفريقيا– كما اسلفنا- بوادر تمرد على النظام العالمي الجديد، تجست في طرد القواعد العسكرية الغربية من النيجر ومالي وبوركينافاسو، وإلغاء المعاهدات الأمنية مع باريس المستعمر السابق، وهو مؤشر آخر ينضاف لما سبقه من مؤشرات تؤكد أن نظرية فوكوياما وكتابه عن نهاية التاريخ قد باتت من الماضي.

يبقى أن التاريخ لا ينتهي، لكن العصور هي التي تتوالى تباعا على صفحاته، ما إن تغيب شمس عصر، حتى تشرق شمس آخر، وما نعيشه اليوم يبقى مؤشرا واضحا، على أفول شمس هذا العصر الأحادي، وبزوغ فجر عصر جديد، مازالت ملامحه قيد التشكل.

سيدي محمد ولد ابه

كاتب صحفي

[email protected]