
قراءة فاحصة لشكل ومضمون خطاب الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني من عاصمة ولاية كوركول ( كيهيدي ) تخرج بعدة نقاط رئيسة وملاحظات عامة.
الخطاب جاء محملا برسائل سياسية واجتماعية تتجاوز الإطار المحلي للزيارة، وهو يعكس توجها عاما في إدارة المرحلة، قوامه التهدئة الاجتماعية، واستمرار الرهان على التنمية التدريجية، مع التأكيد المتكرر على وحدة المجتمع بوصفها شرطا للاستقرار.
ولاية كوركول في صلب سردية الخطاب الرئاسي
حرص الرئيس ولد الغزواني، على إبراز ولاية كوركل باعتبارها الولاية الأكثر زيارة منذ توليه الحكم، وربط ذلك بإطلاق مشاريع محورية مثل “المدرسة الجمهورية”.
تأكيد يعكس محاولة واضحة لمنح الولاية بعدا رمزيا يميزها عن باقى ولايات البلاد .. قدمها باعتبارها نموذجا للتنوع والانسجام الاجتماعي، فى مسعى واضح أنه يهدف إلى ترسيخ صورة وطن متماسك مع تعدده.
غير أن هذا البعد الرمزي، رغم أهميته السياسية، لم يُرفق بتقييم دقيق لمدى تحقق الأهداف المعلنة لتلك المشاريع، ولا بمؤشرات قابلة للقياس حول أثرها الفعلي على الواقع التعليمي أو الاجتماعي في الولاية.
التنمية: الإقرار بالجهد دون قياس الأثر
خطاب الرئيس ولد الغزواني ، أقر بحجم الاستثمارات المنفذة في قطاعات حيوية، من بينها المياه والصحة والتعليم والزراعة، مع التأكيد على أن الجهود ستتواصل لتحسين ظروف السكان.
يُحسب لخطاب الرئيس ولد الغزواني، تجنبه لغة الاكتفاء أو الادعاء بالإنجاز الكامل
لكن في المقابل، غاب عن الخطاب تشخيص أكثر دقة للتحديات القائمة، سواء من حيث جودة الخدمات، أو استدامة المشاريع، أو الفوارق بين ما أُنجز وما يشعر به المواطن في حياته اليومية، وهو ما يترك فجوة بين الخطاب التنموي والواقع المعيش.
الوحدة الوطنية: خطاب جامع… وتحفظات مشروعة
موضوع الوحدة الاجتماعية، احتل موقعًا مركزيا في خطاب الرئيس، حيث وجه انتقادات واضحة لخطابات اعتبرها مثيرة للفرقة، ودعا النخب السياسية إلى تحمّل مسؤوليتها في الحفاظ على التماسك الوطني.
ورغم وجاهة هذا الطرح في سياق إقليمي مضطرب، إلا أن الخطاب لم يوضح الحدود الفاصلة بين الخطاب التحريضي المرفوض، والنقد السياسي المشروع، ما قد يثير تساؤلات حول كيفية ضمان التعددية وحرية التعبير دون المساس بالوحدة الوطنية.
العدالة الاجتماعية: وعود متجددة وآليات غير مفصلة
تطرق الرئيس إلى التفاوت في توزيع الموارد والفرص، مؤكدا التزام الحكومة بسياسة التمييز الإيجابي لصالح الفئات والمناطق الهشة، مع جعل تحسين أوضاع الفئات الأكثر هشاشة أولوية قصوى.
غير أن الخطاب، مرة أخرى، اكتفى بالإطار العام، دون تقديم تصور عملي واضح للآليات المعتمدة، أو جدول زمني، أو معايير شفافة لقياس مدى نجاح هذه السياسات في تقليص الفوارق وتحقيق الاندماج الاقتصادي.
الشباب والمهجر: رهانات قائمة دون خارطة طريق
الرئيس ولد الغزواني وجه رسائل مباشرة إلى شباب بلاده، داعيا إياهم إلى التركيز على ما يوحد، وإلى الابتعاد عن القضايا الهامشية. كما أشاد بدور الجاليات الموريتانية في الخارج.
إلا أن هذه الرسائل، رغم أهميتها الرمزية، ظلت في إطار التحفيز المعنوي، دون ربطها بسياسات تشغيل، أو مشاركة سياسية، أو قنوات مؤسسية تتيح للشباب والمهجر التحول من فاعلين محتملين إلى شركاء فعليين في القرار والتنمية.
خلاصة كل ذلك أن طاب الرئيس ولد الغزواني فى عاصمة ولاية كوكول قدم رؤية تقوم على أولوية الاستقرار، ووحدة المجتمع، والتنمية التدريجية، في مرحلة تتسم بحساسية داخلية وإقليمية.
خطاب متوازن في لغته، حذر في وعوده، مبتعد عن التصعيد
الملاحظة على مجمل الخطاب ، أنه اكتفى بطرح أسئلة مشروعة غابت عنها التفاصيل التنفيذية، مع محدودية التقييم النقدي للسياسات القائمة، حيث تظل الحاجة قائمة لربط الدعوات العامة للوحدة والعدالة الاجتماعية بإجراءات ملموسة تعزز الثقة بين الدولة والمواطن.
وبين ما قيل وما لم يُقل، يظل التحدي الأساسي هو تحويل هذه الرسائل السياسية إلى سياسات قابلة للقياس، تترجم الخطاب إلى أثر محسوس في حياة المواطنين..
زوم



