كواليس لجنة التحقيق البرلمانية في ملف الشرعية كما يرويها المتهم رقم 4

ثلاثاء, 10/02/2026 - 18:41

في مذكراته، يقدّم الوزير السابق محمد عبد الله ولد أدّاع شهادة شخصية عن مسار بالغ القسوة، لم يكن مجرد تجربة عابرة، بل امتحانًا طويلًا كشف ما كان مستورًا خلف الأبواب المغلقة. مسار تشكّل من الشك، وتدرّج نحو الاتهام، قبل أن ينتهي إلى البراءة، تاركًا بين محطاته وقائع وحكايات صيغ بعضها في سياقات ملتبسة، ستظل عالقة في الذاكرة العامة بوصفها جزءًا من قضية لا تمحوها الأيام.

فهناك أفعال قد تُنسى من أصحابها، لكن آثارها لا تغيب عن ضحاياها؛ إذ قد تلتئم الجراح، غير أن ندوبها تبقى شاهدًا صامتًا. ومن خلال هذا السرد، تُرفع الستارة عن كواليس قلّما يُسمح لها بالخروج إلى العلن، لأن كثيرين يفضّلون طيّ الصفحة والاكتفاء بالنجاة. غير أن للوقائع حقّها في أن تُروى، وللضحايا حقّهم في أن يتكلموا بأصواتهم.

إنها شهادة لا تسعى إلى الإثارة، بقدر ما تصرّ على قول ما يجب قوله، مهما كان ثمن الصراحة باهظًا. وربما في نشر هذه المذكرات اليوم، خروج واعٍ عن تقليد تأجيل الشهادات إلى ما بعد الرحيل، واختيار لمواجهة الذاكرة وهي ما تزال حيّة.

فقرة من كتاب: «المتهم رقم 4»

حضرت الجلسة الرابعة والأخيرة مع اللجنة بتاريخ 16 يونيو 2020، عند الساعة الثانية زوالًا، وقد استغرقت ثلاث ساعات، أجبتُ خلالها على 25 سؤالًا؛ قدّم مقرر اللجنة، يحيى ولد أحمد الوقف، 17 سؤالًا منها، بينما وجّه أربعة نواب آخرين بقية الأسئلة، ولم أتلقَّ من الأربعة الباقين أي سؤال، وهم: رئيس اللجنة الذي كان غائبًا، والدان ولد عثمان، وكامرا عالي كالاديو، ولالة بنت امبارك.

وقد كان لافتًا أن النائبين اللذين يمثلان المعارضة طرحا عليّ سؤالًا واحدًا مكررًا بخصوص اكتتاب محمد ولد امصبوع في شركة سنيم، بينما طرح نائبا الاتحاد (الإنصاف حاليًا) ستة أسئلة بالتناصف، ثلاثة لكل منهما؛ فسأل أحدهما عن معهد الكبد والفيروسات في نواكشوط، واتفاقيات الانتداب لإنجاز بعض الطرق بين الدولة وشركة سنيم، بينما ارتكزت أسئلة الآخر حول دمج شركتي ENER و ATTM.

وكما تقدّم، فقد كانت الحصة الأوفر من الأسئلة من نصيب مقرر اللجنة (يحيى ولد أحمد الوقف)، الذي سأل عن مشروع رصيف الحاويات، الذي أقرّ توقيعه مجلس الوزراء بناءً على اقتراح من اللجنة الوزارية المكلفة بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، برئاسة الوزير الأول، وعن بناء مطار نواكشوط الدولي (الذي تم استلام أشغاله قبل تعييني وزيرًا للتجهيز والنقل بحوالي سنة)، وعن مشاريع شركة سنيم، مثل: الميناء المعدني، ومصنع الكلب 2، واستكشاف كلب تيزرقات، بالإضافة إلى مصنع السفن، ومصنع الأعمدة، وفندق شيراتون.

وقد بيّنتُ سلامة الإجراءات المتّبعة في جميع الصفقات، وذكرتُ أن قرار الاستثمار في أي مشروع يدخل ضمن صلاحيات مجلس إدارة الشركة، بوصفه الجهة المخوّلة قانونًا لاتخاذه. كما ذكّرتُ المقرر بأن بناء الفندق مشروع قديم لشركة سنيم منذ تسعينيات القرن الماضي، وقد عرفت محاولة سابقة سنة 2007، وتحديدًا في 12 يوليو 2007، حين وُضع حجر الأساس لهذا الفندق في إطار شراكة بين مجموعة الخرافي الكويتية وسنيم، بعد يوم واحد من إنشاء الشراكة، غير أن تلك المحاولة تعثرت بعد أشهر قليلة، وباءت بالفشل عقب انسحاب مجموعة الخرافي من المشروع.

كما ذكّرتُه بأنه حضر شخصيًا ذلك الحفل بصفته وزيرًا أمينًا عامًا للرئاسة آنذاك، إلا أنه نفى علمه بالموضوع جملةً وتفصيلًا، كما نفى حضوره لحفل وضع حجر الأساس سنة 2007. ولم أجد شخصيًا أي تفسير لهذا الموقف سوى النسيان.

ومن المواضيع الأخرى التي تناولها يحيى ما اعتبره بطئًا في المفاوضات مع شركة كلينكور حول نقل وشحن خامات الحديد التي كانت تنوي استخراجها من كَلب آسكاف، إضافة إلى السياسة التجارية لشركة سنيم، والتي أسّسها – فيما يبدو – على معلومات غير صحيحة، مبنية على شائعات كاذبة ومغالطات باطلة، لا تسندها أي معطيات موضوعية.

كما حاز اكتتاب محمد ولد امصبوع نصيبه من الاهتمام، فبيّنتُ في ردودي أنه تم بطريقة قانونية، طبقًا لمسطرة الاكتتاب في شركة سنيم، وباحترام تام لجميع الإجراءات ذات الصلة.

وبشكل عام، تميّزت أسئلة اللجنة بالمغالطات، وخرج بعضها عن نطاق مهمتها، كما كان لافتًا ومستغربًا أن تقريرها لم يحتوِ على أجوبتي، ولا على المعلومات والوثائق التي سلمتُها لها، في تكريس واضح لعدم احترام الرأي الآخر، ومصادرة حق المشتبه به في الدفاع عن نفسه؛ وهو سلوك مسّ بمصداقية عملها، وكأن الجلسات الأربع التي جمعتني باللجنة لعدة ساعات لم تكن ضرورية، ما دامت هذه الأخيرة تكتفي برأيها الأصلي قبل الاستماع إليّ.

ثم إنني لست متأكدًا من اطّلاع ما يُسمَّون بالخبراء على أجوبتي، ولا على أجوبة المشمولين الآخرين، قبل إعداد تقريرهم، ما داموا لم يحضروا أي جلسة استماع للجنة.