روحانيات رمضان - الحلقة الثالثة: سر الـ 114 وابتكار معنى "السبع المثاني"

أحد, 22/02/2026 - 13:55

​الحمد لله الذي جعل كتابه تبياناً لكل شيء، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم والسبع المثاني.

​نغوص اليوم في "ميزان الحروف" لنكشف عن توافق عجيب يربط بين "أم الكتاب" وبين عدد سور القرآن الكريم كاملة (114 سورة)، وهو ما يفسر سر قوتها الاستشفائية ورحمتها بجميع عباد الله.

​هندسة الرسم الكوفي (مفتاح الـ 114): إن كتابة الفاتحة بالرسم الكوفي المجرد (بلا نقط ولا ألفات خنجرية) مع إضافة "ءامين" بخمسة أحرف (ء ا م ي ن) يضبط عدد حروفها عند 114 حرفاً تماماً. هذا التطابق مع عدد سور القرآن يجعلها "المفتاح" الذي يطابق ما أنزله الله في اللوح المحفوظ.

​ابتكار سر "السبع المثاني": "السبع" هنا هي الأحرف السبعة (ث، ج، خ، ز، ش، ظ، ف) والتي تطرقنا لها في الحلقة الثانية، حيث طُردت من الفاتحة لتظل محض رحمة. أما "المثاني" فهي القدرة الإعجازية لهذا الرسم على استيعاب "المثنى" من النطق؛ سواء في القراءات السبع العربية التي نزل بها الوحي وكُتبت بحرف جامع في الخط العثماني، أو في تجاوز الله عن عجمة الأعاجم الذين قد يقرأونها (كالزراط والضلين) دون تسوية اللسان، فيقبلها الله منهم ببركة هذا الرسم المرن الذي وجده الله لعباده كافة.

​تطور الرسم وإتمام النعمة: ومن عظيم الرحمة الإلهية أن القرآن الكريم لم يكن منقوطاً في بداياته، بل كُتب بالرسم المجرد ليبقى وعاءً كونياً. ومع تطور اللغة العربية وعصرنتها، تم تنقيط المصحف لاحقاً لتسهيل اللسان وتيسير القراءة، وبإتمام هذا التنقيط يكون الله قد أتم لعباده كل شيء. فلو تُرك الأمر بغير تنقيط لاختلطت المعاني على من سيأتي من بعدهم، كما قال الله تبارك وتعالى في نص كتابه: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ}، فبدون التنقيط لربما قرأها البعض "خلق"، فكان التنقيط تماماً للبيان وصيانةً للوحي.

​كمال البناء والرد على الشبهات: إن هذا التطابق الهندسي الدقيق بين عدد حروف الفاتحة (114) وعدد سور القرآن (114) هو الدليل القاطع على كمال الكتاب وتمام حفظه، وهو الرد العملي على من يزعم وجود نقص أو نسخ يخل ببنائه؛ فالميزان واحد، والعدد متساوٍ، مما يؤكد أن القرآن بناءٌ محكم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

​الشفاء بالأصل: إن هذا الإعجاز هو الذي يجعل من أي شخص يكتب الفاتحة بصفتها الأصلية (114 حرفاً) كما أنزلت، ثم يتداوى بها، يشفى بإذن الله؛ لأنه عاد إلى أصل النص في اللوح المحفوظ.

​بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى