إن الخلافات والحروب قبل أن تأخذ شكلها الجماعي أو الدولي تتخمر في نفوس أفراد بعضهم أصحاب قرار ونفوذ، مايتطلب من الجميع البحث في التأثير السياسي للشبهات والشهوات، خاصة في شهر رمضان الذي يمثل ظرفا زمانيا مناسبا لذلك.
فالشك فيما يجب الإيمان به والتسليم به إلى جانب الحسد والكبر والعجب ورؤية الفضل على الغير وحب السمعة والبغض وما تؤدي إليه كلها من ظلم واتباع للهوى، هي أبواب تقود إلى الشر، بل هي وقود الخلافات العالمية.
ومن هنا يكون على المسلم الاحتماء بتعاليم نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كي لا يقع فريسة لتلك الأمراض ووساوسها التي تجعل المصاب يرى نفسه بحجم أكبر من حجمه الحقيقي، فتتعاظم أطماعه على حساب الأفراد والدول بتوجيه من نزعة (الأنا).
يامرضى القلوب، يامرضى البغض والحسد والكبر ورؤية الفضل على الغير، غضوا الطرف إنكم من نمير، وتحكموا في شروركم ولا تتبعوا خطوات الشيطان ومذهبه الوارد ذكره في القرآن العظيم : ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَیۡرࣱ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِی مِن نَّارࣲ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِینࣲ ١٢﴾ [الأعراف ١٢]
إن تعاظم نزعة (الأنا) لدى البعض تحمله أحيانا إلى ركوب السياسة، فيرى نفسه غاية والشعب مجرد وسيلة، إذ عصمة للسياسيين وليسوا بأنبياء.
الغاية ينبغي أن تكون دائما شرعية وأخلاقية، ومثلها الوسيلة المستخدمة إليها.
والكارثة أنه إذا صارت الغاية غير المشروعة ممكنة و صارت الوسائل غير المشروعة هي الأخرى ممكنة سوف تزول الحدود الفاصلة بين المحظور والمباح من جهة، وتزول كذلك الفوارق الفاصلة بين علية القوم والسفلة من جهة أخرى، مايتيح لمرضى القلوب تحقيق مآربهم.
وعليه لا يليق بالسياسي التحايل والخداع والخيانة والغدر، لا بشركائه السياسيين ولا بالشعب والدولة.
كونوا عباد الله إخوانا وتعاونوا على البر والتقوى طاعة للمولى وخدمة لبلدكم وشعبكم، وتوقفوا عن التنابز بالألقاب واختراع الأسماء والشعارات التي لا تطعم من جوع ولا تؤمن من خوف.
إن السباق نحو اكتشاف تسميات وشعارات لمبادرات و أحزاب و حركات، أو وضع قواعد تنظية لتلك الكيانات المستحدة لا يمثل إنجازا بحد ذاته مالم يكن لأصحابه إنجاز ملموسة في مجالات تعليم طلاب العلم، أوإطعام الجياع، أو علاج المرضى وتأمين البلاد من المخاوف.
فالمصداقية لابد لها من ثمن، ولا يمكن أن تسبق أسبابها بأي حال.
وللأسف صار البعض يستخدم الأسماء والشعارات استخداما مغرضا هدفه التحكم في المواطن وبيعه في سوق النخاسة السياسية. وعندما يكون ثمن الناخب تعيين مفسد في منصب عمومي، نكون أمام عبد وسيد (إذ مال العبد لسيده) !!
فالشعب إما أن يكون هو الغاية والسياسي خادم له، وإما أن يكون السياسي هو الغاية والشعب مجرد وسيلة؟
حين كان التنافس بين السياسيين على ما ينفع الناس ويمكث في الأرض كانت فيه معايير مجردة ترفع مقامات المحسنين وتحط مقامات المسيئين، لكن لما اختل ذلك الميزان بدأت درجة المسيئين ترتفع -في موازين هذا الزمان- بينما انخفضت درجات المحسنين.
فهل ما نشاهده اليوم تجل من تجليات الانحطاط والتخلف والفوضى، أم هو مظهر من مظاهر الوعي والتحرر ؟
عندما تكون خدمة الشعب هي الغاية يكون السباق سابق إنجاز، مايؤدي بالمسبوق إلى إجلال من تقدموا عليه والاعتراف بفضلهم بدل اتهامهم بالتزوير الذي نشاهده اليوم عقب كل انتخابات !!
أما حين يكون السياسي ومصالحه غاية فالنقاش في تلك الحال يكون نقاشا للأشخاص لا للأفكار، إذ الأفكار والمذاهب الفكرية تتحول وقتها إلى مجرد آلات لتحقيق مآرب خاصة.
وللأسف يلاحظ أنه منذ ظهور صناديق الاقتراع الأهلية واعتمادها مبررا لمنح بعض المناصب على أساس المحسوبية القبلية والشرائحية والعرقية تراجعت الكفاءة والمثابرة والبحث العلمي لأنها لم تعد تفيد ولا ترفع من مقام صاحبها، بل قد تحط من مقامه وتتحول إلى لعنة تطارده إذا كان عصيا لتنفيذ الأوامر الساذجة المألوفة في مناخ الاطهاد الوظيفي.
ومن هنا لا عجب إذا نضبت المصادر البشرية وتدنت الكفاءات ومستويات البحث العلمي، ذلك البحث الذي يشهد ازدهارا في مجالين فقط هما : مجال تاريخ الأنساب، ومجال الفكر السياسي المتعلق بإيقاظ العرقيات وتشريح الشرائح، لما لهما من دور في التعبئة والحشد على مستوى القرى والأرياف، والذي يصاحبه الحظ الوظيفي السعيد.
وبتراجع الكفاءة والنزاهة والبحث العلمي الجاد يتراجع تلقائيا تقدم البلاد وازدهارها(جنت على نفسها براقش).
يضاف إلى ذلك أن البحوث المزدهرة في مجال الأنساب وإيقاظ العرقيات وتشريح الشرائح لن تكون خالية من ملوثات أمراض القلوب وجذور الفتنة، عكس ما يتوقع من اطلاعها بدور في التنمية، مايتطلب من الدولة وضع حد لها على مستوى الجامعات وغيرها من المنابر.
وأخيرا أذكركم بحديث رواه حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ عَرْضَ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا ، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ سَوداءُ ، وأيُّ قلبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ بيضاءُ ، حتى يصِيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا ، لا تَضُرُّه فِتنةٌ ما دامَتِ السمواتُ والأرضُ ، والآخَرُ أسودَ مُربَدًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا ، لا يَعرِفُ مَعروفًا ، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا ، إلا ما أُشْرِبَ من هَواه)
وأختم بدعوتكم إلى الصلاة على نبينا وسيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم ونحن في ثاني جمعة من رمضان.
يغفر الله لنا ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله
ذ. محمد سدينا ولد الشيخ/ محام




