
ليلة عاصفة ، أثارت في نفسي لواعج الغربة و مساءات العمل النضالي الاستثنائي ..
مساءات حُبلَى ، كنتُ أُحظَى فيها وحدي بكواليس تَجْميع شظايا روحه المسكونة بآلام تمرد النصوص العنيدة ..
كل شعراء موريتانيا و كتابها و نخبها السياسية تعللوا ـ حين تفرس عزيز ، بقصر سيف الطفل عبد الله بن الزبير أمام مدربه : "سيفي قصير يا أماه" و لم تكن ذات النطاقين من بين أمهاتهم ، لترفع سقف تحدي النزال : "عَوِّض عن ذلك بخطوة إلى الأمام ، يا ولدي" ..
و حين حمل عزيز سجادته للصلاة على الميت ، كان شعراء أرض المليون شاعر يتبارون خلفه ، للفوز بنيل شرف حمل سجادة الصلاة على روح الوطن المُذل !!
ـ كان حنظلة ناجي العلي ، في تهكمه ..
ـ كان عاصفة "العابرين" ، في ملحمة درويش ..
ـ كان بقية من كافكا في تناثر حسرته : "مصيبتنا أن الناس لا تفرق بين المتشائم و من يتألم"
# ولد امصيدف حالة إبداعية ، لا تتكرر ..
بانفعالاته الوديعة ، قيَّضَه الله لموريتانيا في أشد محنها ، حين أصبح الشعر هدايا معلبة لتخليد المناسبات و مدح أراذل أعالي زمنهم المُخجل ..
ما لم تشوهه السياسة في بلدنا الحبيب ، شوهه شعراء النكسة و نكسة كُتَّاب الفرص ..
و ما لم يُخجِله تحرش الغلمان بالشعر أخجله تغزل عجائز المغول ؛ عفوا ، أعني "المقول" ..
# ولد امصيدف عروة زمانه و متنبي زماننا و نزار زمانهم الموغل في الهجاء السياسي العابر لكل أزمنة العار ..
# وحده من بين كل شعراء البلد ، من انتزع أيقونة شرعية النضال بتفرد نصوصه و تمرد روحه ..
وحده من بين كل شعراء البلد ، من وقف شامخا كالطود الأشم في وجه نظام كامل بجيوشه و بوليسه و جواسيسه و شعرائه و كتابه و صحافته و مرتزقته الأشاوس ..
ولد امصيدف متحف عجائب .. فهرس نوادر ..
رُوَّاقٌ عُكاظي لملاعب القوافي و ابتداع معاني المعاني ..
أستبعد أن يكون ولد امصيدف يفهم نفسه ..
أن تكون تستأذنه نصوصه حين تفترس لحظة الإلهام .. حين تقبض على المُتلبِّس بجريمة اعتراضها ..
أستبعد أن يكون هو من يجمع شتاتها المُطارَدُ ، المُطارِد لروعة اختباء الجمال في غير مَواطن استفزازه ..
أستبعد أن يكون من بيننا من يرى منه غير ما يتراءى من ابتساماته الطفولية المتهكمة ..
قامة سامقة ألبسها صراع البقاء عَقابيلَ لا تندمل كما ألبسـ"هم" حبُّه أسبالَ مذلة خدمة البلاط المُغتصَب ..
ـ شاعر مفلق لا تنضب روافده حد التصنع و التكلف..
ـ نسابة من طراز دغفل الذهلي ..
ـ راوية يُعيدُ تمثيل الحوادث بأسلوب كاريكاتيري مُبدَع..
ـ و شخصية اجتماعية مثيرة الحضور ، لا ينتهي لقاؤه إلا بحدث درامي عاصف مثل مسلسلات العرب أو بتسليم نفسه لبلاغات "الأمن السبراني" مُتَحَوِّر المزاج !!
# أسقط دولة عزيز من العيون و القلوب حتى تساقطت آرابا من أسبال ..
# أسقط كذبة فحولة دراويش الارتزاق حتى ألجأهم إلى "مَخجَلَة" اتحادات الشعر المهجن و الأدب المخصي ..
# أسقط كل أسباب الفشل الكوني على مواقعها في بلدنا ، "حتى سامها كل مفلس" ذي باع وراثي في الغباء ..
هو شاعر الحس الجمالي المرهف ..
هو شاعر الهجاء السياسي المُعرَوْرَف ..
أي شاعر في بلادنا اليوم بلا قضية ، لا يمكن أن نفهم بماذا يشعر غير الخجل !!
شاعر يعطي دروس التوجيه بسواد و بياض عيون لا تؤلمه دموعها ، هو شاعر أحوج إلى من يوجهه .. إلى من يفقأ عيونه !!
شاعر يُحوِّل "التوجيه" إلى غرض شعري ، هو شاعر يبحث عن مخرج .. يتسوَّل المقصد .. يتقمص الفحولة بحشرجة أدرد !!
أغراض الشعر كلها شر : الغزل و الفخر و الهجاء ؛ فكيف أصبحتم شعراء من دون أن تدخلوا يوما فضاءه !؟
كيف لخصيه أن يُطربَ غير بهلول مخصي !؟
كيف يمتطي سرج الفُحولة من يَهابُ صولة الوجي الوَحِلُ !؟
"و لَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ - مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي
فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها - لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ"
الشعر في روعة التمويه ، لا في تمنُّع الأوزان ..
ما حاجة ولد امصيدف إلى تكريم من وزارة الثقافة ، إذا لم تكن خط جبهتنا الأمامي لحراسة الذاكرة و الوجدان !؟
ما حاجته إلى تكريم من اتحاد أدباء أساء الأدب على الوطن بتقزيم ممتهن العصيان !؟
ما حاجته إلى تكريم من أي جهة محلية و الوطن يقبع في الهوان !؟
متى ترتوي السخافة من دمنا : "بقدر ما يكبر الإنسان تصغر الأوطان" !؟
في شعره روائح العَبَق البلدي و رشاقة جموح الخيال ..
في روحه فوضى طفولة لَعُوب ، طافحةِ الدلال ..
في تَعَرُّضه نَـزَقُ الخيول و شموخ الجبال ..
للحزب ناطق رسمي يُدَبِّجُ القصائد إذا تَعلَّلَ مُبتذَل ..
للوزارة ناطق يَغزلُ ديوانا في خطبة إذا ترنَّمَ الخجل ..
للحكومة ناطق رسمي ، مرهف الإحساس، كمن يبكي على طلل ..
فانتظر يا سيدي قدوم ناطق رسمي باسم وطن جريح تعاورته نبالُ الخَطَل ..
أنت وحدك من يرتكب جريمة البراءة في هذا البلد المستباح ..
أنت وحدك من يتسلق غصن البراعة بوجع النواح ..
ولد امصيدف شاعر متمرد في شعره السياسي ..
متمرد في غزله المفتون بعذوبة جزالة اللغة ..
متمرد في انتقاء أصدقائه .. في تعريفه للرجولة .. في تصنيفه لطبقات الرجال ..
شاعر موهوب بمعجم لغوي (هكذا يسمونه !) ، رغم أصالته النافية لأي عجمة ، تزينه الفصاحة و الحصافة بكثافة لغوية مربكة ، تفيض رقة بالزخارف المُبدَعة بعيدا عن الإسفاف ..
يعشق مُطوَّلات المَلحَمِي و نوادرَ الزُخرفِ الإبداعي و محاولات التفرد الذكي حتى خَديجها..
لا يعقد اتفاقا مع الجمال و لا يأخذ موقفا منه ، لكنه قد يرى أبدعه في أقبح معايير الآخرين ؛ تلك الصدامية العالقة بالتفاصيل هي شفرة اختلاف مزاجه المشاكس !!
يعشق الخروج من اللحظة .. من قيود الأمان إلى مخاطر الفضاءات الرحبة ؛
و كالطفل ، لا يصدق أن اللعبة ملكه قبل أن يُدمِّرها ..
يرى كل ما دونَ التمَيُّز سقيمًا ، لكن الشعر أسكنه روعة تناغم التفاصيل ، فكان يرى كل شيء جميلا..
و رغم ما أعطته الحياة و ما أخذت منه في رحلة تمرده الصاخبة ، ما زالت في نفس ولد امصيدف غَصَّةٌ تذرف دمع الوطن ، ربما هي ما زالت سر تربعه على قمة التألق برفيع العطاء !!
كل شعرائنا القدامى كانوا فحول قضايا زمنهم و وحده ولد امصيدف ، كان فحل زمانه المسكون بقضايا وطن هو أصبح من يسكن ترانيم وفاء عشاقه ..
وَزِّعوا جوائز بطولات الانبطاح ..
كرِّموا كل محتال يتقن النباح ..
تبادلوا الهدايا و شهادات الكفاح ..
تقاسموا غنائم النصر "التوجيهي" و أنواط الشجاعة ..
فمن يستحقها غيركم !؟
من يطال مقامها مثلكم !؟
من لها يوم الزحف ، غير أغماد سيوفكم الخشبية !؟
نعم ، نعم ، اشتقت اليوم ترنمًا ، إلى لقياك..



