الأحرف المقطعة هيئة العبودية ومفتاح ذكر القرآن.
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد، القائم بحق عبودية ربه، والساجد في محراب أسمائه الحسنى وحروف قرآنه العظيم. إن هذه الأحرف المقطعة الأربعة عشر، التي تفتتح سور القرآن الكريم كالبقرة وآل عمران وغيرهما، هي الخلاصة الروحانية المستمدة أحرفها من الأحرف النورانية في الفاتحة، وهي المدخل الشرعي الذي لا يسبق إلا ذكر القرآن العظيم بمختلف تجلياته؛ فلا تجد هذه الأحرف قد استهلت سورة إلا وتبعها مباشرة حديث عن الكتاب أو التنزيل أو الذكر أو التسطير. فلا يفتح باب الكتاب إلا بمفتاح هذه الحروف التي تجسد مقام الاستسلام المطلق.
فإن (ألم) هي عماد سورتي البقرة وآل عمران، حيث أعقبها قوله تعالى: (ذلك الكتاب)، وهي تمثل هيئة الصلاة؛ فالألف استقامة القيام، واللام انحناء الركوع، والميم مقام السجود. وقد جاءت هذه الهيئة كجواب صريح في قوله (هدى للمتقين الذين يقيمون الصلاة)، لتؤكد أن الصلاة المذكورة في الآيات هي تجسيد وتشييد لتلك الأحرف التي سبقتها في القيام والركوع والسجود، بما يجسد الأحكام الشرعية لعباد الله جميعا في سورتي البقرة وآل عمران.
وكذلك (كهيعص) التي سبقت (ذكر رحمت ربك)، وهي تمثل أحرف الرزق والمدد والرحمة؛ فهي المفاتيح التي قرع بها نبي الله زكريا أبواب الرحمة فاستجاب الله له ووهبه الذرية، لبيان أن كل حرف منها يجسد حالة معينة يحتاجها العبد في سيره إلى الله، سواء كانت طلبا للفتح أو استمطارا للرزق والرحمة، فليست هذه الأحرف محصورة في هيئة الجسد بل هي أبواب لكل المطالب.
وكذلك (حم) التي تصدرت (تنزيل الكتاب)، و(ص) التي اقتربت بـ (والقرآن ذي الذكر)، و(ق) التي سبقت (والقرآن المجيد) لبيان جلال القول بالقرآن وقراءته والقيام به، و(ن) التي استهلت (والقلم وما يسطرون) لتبين أن كل ما يسطر من وحي وقدر يبدأ بنور الحرف. هذه الحروف هي صك العبور؛ فكما أن الصلاة هي أول ما يحاسب عليه العبد، كانت هذه الفواتح هي أول ما يطرق به باب السور. وهي التي تجسد صلة العبد بخالقه من خلال الأربعة عشر حرفا التي انبثقت عن أصلها السبعة في الفاتحة، وهي صفوة نورانية استخلصت من حروف أم الكتاب؛ إذ خلت من الأحرف المهملة المتسمة بالشدة والغلظة والتي لم ترد في الفاتحة، لتكون صلة محضة في محراب الوجود.
وكما أوضحنا سابقا في حلقات أخرى في أن الله تبارك وتعالى قد جعل لتلك الأحرف السبعة المهملة، وهي أحرف الشدة المطرودة من الفاتحة، نصيبا حين أدخلت في القراءات الأخرى ليعم بها الفتح واليسر على ألسنة العباد من العجم وغيرهم؛ كما ورد في حادثة عمر بن الخطاب في إدخال حرف الظاء في الظالين بدلا من الضاد، وفي قراءة خلف بإدخال حرف الزاء في الزراط بدلا من الصاد، وكذا قلب كاف الخطاب شينا عند الوقف فيما يعرف بكشكشة ربيعة ومضر، لتستوعب القراءات المتواترة طاقات هذه الأحرف المهملة وتطوعها لخدمة البيان القرآني على كل لسان.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى




