تختزل الرؤية الجيوسياسية المعاصرة صراع المنطقة في معادلة السنة والشيعة، حيث يتم الترويج لنموذج "سَننَة" إيران أو تفتيت نظامها كغاية عربية منشودة. إلا أن هذا الاستقطاب ليس إلا فتيلاً في محرقة كبرى صممها الغرب لإحراق القوى الإقليمية كافة. إن ما نشهده اليوم من ضربات مكثفة تستهدف السجون والوزارات ومنصات الإعلام يكشف بوضوح زيف الادعاءات الغربية؛ فلو كان الهدف الحقيقي هو نزع السلاح النووي المزعوم لارتكزت الضربات على تلك المنشآت وحدها، لكن المشهد يعيد إنتاج أكذوبة أسلحة الدمار الشامل في العراق لتبرير تدمير الدولة من الداخل.
إن التركيز المريب على ضرب السجون ومراكز الإدارة يهدف بشكل مباشر إلى إطلاق سراح الفوضى وتأليب الشارع وتفجير التناقضات الداخلية، تمهيداً لتحويل الجار الشرقي إلى "دويلات فوضى" على طراز طالبان أو سوريا. يقع العرب في فخ استراتيجي حين يظنون أن انهيار الخصم المذهبي هو نصر لهويتهم، متناسين المفارقة المؤلمة؛ وهي أن "الشيعة" هم من وقفوا وحدهم في ميادين دعم غزة والأقصى وفلسطين، محققين بذلك جوهر وحدة الإسلام في مواجهة المحتل، بينما غرق الكثير من "السنة" في وحل المؤازرة والارتهان للمشاريع الغربية والأمريكية التي تسعى لسحب البساط من تحت أي تكاتف إسلامي حقيقي.
لذا، فإن السعي العربي لإعادة إيران إلى "أصلها السني" ليس حباً في التسنن، بل هو انخراط غير واعٍ في محاولة تدجينها وإلحاقها بمنظومة التبعية التي تضمن أمن الكيان الصهيوني. فبمجرد سقوط المركز في طهران وتفتت جغرافيتها، ستتحول حدود السعودية وقطر وبقية الخليج إلى جبهات استنزاف دائم أمام ميليشيات فوضوية عابرة للحدود، مما يفسح المجال أمام أطماع إسرائيل الكبرى التي تمتد "من النهر إلى الفرات".
هذا "النموذج العربي" الغارق في الصراع يخدم حصراً خطة الغرب (التي أصبحت بتبنيكم لها خطة العرب)، والتي تهدف لإخلاء الساحة تماماً من أي قوة إقليمية قادرة على الردع، ليكون العرب هم "التالين" في طابور التصفية بعد أن تُفتت إيران. إن الوعي بأن تصفية القوى الكبرى هو تمهيد لذبح الذات العربية هو السبيل الوحيد للنجاة من هذا التيه الجيوسياسي الذي صُمم لتكون إسرائيل هي الوارث الوحيد والمهيمن المطلق فوق حطام الجميع.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى




