
إن ما نشهده اليوم ليس إلا فصلاً متجدداً من فصول الاستباحة الغربية للمنطقة العربية، وهو فصل يستدعي بالضرورة المقارنة مع وعد بلفور المشؤوم واتفاقية سايكس بيكو اللذين وضعا حجر الأساس لشرذمة وتمزيق الجسد العربي. كان الهدف حينها شق الدول القوية وتحويلها إلى دويلات هزيلة لضمان بقاء الأرض مستباحة وثرواتها نهباً للمطامع الاستعمارية.
واليوم، يتجدد هذا التمزيق عبر أدوات "الأدلجة"؛ حيث يتم استبدال الحدود الجغرافية بحدود طائفية وأيديولوجية مصطنعة، بدأت بجماعة الإخوان المسلمين وصولاً إلى النماذج التي رعتها أمريكا كالقاعدة وداعش وجبهة النصرة. إن هذا التحول يخدم بشكل مباشر أطماع "نتنياهو" التوسعية لتحقيق الحلم التلمودي الممتد "من النيل إلى الفرات"، وضمان الهيمنة على خزان الوقود العالمي وتعبيد الطريق أمام "العرين الصهيوني" على أنقاض السيادة العربية.
وهنا يبرز التساعؤل الجوهري: أيهما الأفضل؟ هل هي تلك الكيانات السُّنية التي تمت غربلتها و"أدلجتها" غربياً لتكون أدوات وظيفية؟ أم تلك المركزية السيادية التي استعصت على القوالب الجاهزة؟ فبينما تم اختراق وتطويع النماذج السنية لتسير وفق الهوى الغربي، نجد أن النظام الإيراني (نظام آية الله الخميني) قدم نموذجاً قطبياً فريداً في العالم؛ فهو نظام "الولاية" الذي لا توجد له نسخة مشابهة في أي بقعة أخرى من الأرض، وهذا التميز البنيوي والسيادي هو بالضبط ما تسعى أمريكا اليوم جاهدة لتفتيته لأنه يمثل صخرة صلبة خارج نطاق "الأدلجة" الموجهة.
لقد قامت استراتيجية الجوسسة الدولية على جعل المنطقة رهينة صراع استنزافي بين العراق وإيران. وبعد استنزافهما، انتقل المخطط إلى الإجهاز المباشر؛ فتمت التضحية بالقطب العراقي يوم العيد كـ "كبش فداء"، لتبدأ بعدها مرحلة "السلخ" في سوريا عبر جلب "الرجل الملثم المصنوع" (الجولاني) من مخابر الصناعات المؤدلجة غربياً؛ وهو الرجل الذي يثير الريبة حول هويته واغترابه الاجتماعي، ليعيد إلى الأذهان نماذج الاختراق التاريخية كـ "كوهين" أو "رمسيس" العربي.
وفي مقابل تلك النماذج الوظيفية التي استُخدمت لتفتيت المكون السني، بقيت المركزية الشيعية بنظامها الفريد تمثل الكتلة التي استعصت على الاختراق الداخلي، مما دفع المخطط في هذه الحرب إلى استراتيجية التنحية والتمزيق العسكري المباشر لكسر هذا التماسك.
الحرب الجارية ومقصلة تنحية إيران
ما نشهده اليوم في مطلع مارس 2026 من عمليات عسكرية واسعة تحت مسمى "الغضب الملحمي"، هو التنفيذ الفعلي لقرار دولي بإنهاء "المركزية السيادية" الأخيرة التي تعيق الهيمنة على خزان الوقود العالمي، تمهيداً لإحلال "النماذج الوظيفية" المطيعة التي أثبتت نجاحها في تجربة السلخ السوري.
خزان الوقود وزئير "العرين" الصهيوني
الشرق الأوسط هو خزان الوقود العالمي، ومن هنا كان لزاماً على بريطانيا والغرب وأمريكا الهيمنة المطلقة عليه عبر تنحية اللاعبين الكبار (روسيا والصين) وإشغالهم بحروبهم في منطقتهم؛ كاستنزاف روسيا في الحرب الأوكرانية، وإبقاء الصين في حالة استنفار دائم تجاه توترات تايوان. وفي خضم هذا الفراغ، تتعالى "صيحة زئير الأسد الإسرائيلي" التي تطمح لبناء "عرينها" الخاص، لتتحول خريطة "من النهر إلى البحر" من حلم تلمودي إلى واقع ميداني يُفرَض على أنقاض الدول.
كعكة أردوغان: وهم "قيادة السنة"
يسعى أردوغان للحصول على "كعكته" الكبرى بتقديم نفسه كقائد للمكون السني، لكن الحقيقة هي أنه يقود نموذجاً "مهجناً" جُلب بالريموت كنترول ليكون جزءاً من التواطؤ الدولي لتعبيد الطريق أمام الأطماع التوسعية، وضمان بقاء الثروات تحت الوصاية الغربية.
لقد أثبتت الوقائع في 2026 أن "الخصم السيادي" الأصيل كان حائط الصد الأخير أمام ضياع الثروات وتمدد "العرين" الغريب. إن صناعة سُنةٍ مؤدلجة غربياً تدار من لندن وواشنطن هي الخديعة الكبرى؛ فهي تشرعن بيع الجغرافيا وثروات "الخزان" العربي، وتفتح الباب على مصراعيه لزئير الأطماع الإسرائيلية، على حساب أشلاء الشعوب وسيادتها التي تُستهدف اليوم في طهران كما تمت التضحية بها بالأمس في بغداد.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى




