بينما يرفرف العلم الموريتاني فوق شبه جزيرة "الكويرة"، تلك المدينة التي سكنت وجدان الموريتانيين لدرجة أن جيلاً كاملًا من نساء ورجال هذا الشعب تشرّفوا بحمل اسمها "الكويرة" (كما هو الحال مع "تيشلا") كرمز للهوية والارتباط بالأرض، تصطدم الحقيقة المرة بنصوص القانون الدولي وجغرافيا الواقع؛ حيث يظهر أن الجيش الموريتاني لا يمارس هناك سيادة وطنية حقيقية، بل يؤدي دور "الحارس المجاني" لمصالح إقليمية متقاطعة. هذا المشهد يضرب بعرض الحائط تضحيات الجنود الذين سقطوا في حربٍ استنزفت مقدرات البلاد، لتنتهي بتسليم الأرض "طواعية" وبالمجان، في مشهد يجسد ذروة الهوان السياسي، وكأن الدولة تحولت إلى حارس مأجور للمغرب على حساب كرامتها الترابية.
خديعة "اتفاقية 1979" وتكريس الارتهان الحدودي
تكمن الجريمة السياسية الأولى في "اتفاقية الجزائر" الموقعة في 5 أغسطس 1979، حيث وقعت نواكشوط رسميًا على تنازلها عن حصتها في الصحراء. وبدلاً من تحصين الكويرة كحق قانوني وتاريخي يحمي الأمن القومي الموريتاني، اختار نظام الحرب حينئذ الانسحاب الطوعي من السيادة لصالح الرباط مع الالتزام بتبعات الحراسة العسكرية المرهقة، في قرار انفردت به السلطة العسكرية دون أن يعرض على برلمان أو يستفتى فيه الشعب، مما أفقده أي شرعية دستورية. لقد صار الجندي الموريتاني بفعل هذه الاتفاقيات "وكيل أمن" في أرضٍ سلمتها قيادته طواعية، ليقوم بمهمة تأمين ظهر الجار الشمالي ومنع وصول أي تهديد لمصالحه، وهو ما يعكس رغبة الأنظمة المتعاقبة في مقايضة الأرض بضمان بقائها في السلطة، حتى لو كان الثمن هو السيادة الوطنية المبتورة.
الفضيحة الاقتصادية: ارتهان رئة البلاد تحت رحمة "التفاهمات"
لا يتوقف التنازل عند حدود الجغرافيا، بل يمتد ليخنق الشريان الحيوي للاقتصاد الموريتاني؛ فمنطقة "قلب الغين" والزويرات تصدر سنويًا ملايين الأطنان من خامات الحديد عبر قطار المعادن الذي يجر خلفه أطول سكة حديد في العالم، بقطار يمتد لمسافة تفوق كيلومترين ونصف، ويسير في مسار محاذٍ تمامًا لأرض الكويرة التي تم التنازل عنها، وقُضمت من ولاية نواذيبو (داخلة نواذيبو). هذا الوضع وضع الميزانية العامة للدولة، التي تعتمد بنسبة 40% على صادرات الحديد، تحت رحمة أي تغيير في مزاج القوى المسيطرة أو أي توتر أمني في تلك البقعة الضيقة خلف الأسوار الأمنية المفروضة. إننا نحرس بدمائنا ومقدراتنا ما يمكن وصفه بـ "ممر الرهائن"، حيث تحولت ثروة الشعب عبر أطول شريان حديدي عالمي إلى ورقة ضغط سياسي دولي بيد الجار، نتيجة قرارات ارتجالية اتخذتها أنظمة حرب الصحراء ولم تراعِ فيها استقلالية المسارات الاقتصادية عن التجاذبات العسكرية.
استباحة الذهب العائم وضياع كنوز الأطلسي المنهوبة
تُصنف المياه الإقليمية المحيطة بالكويرة كأحد أغنى "خزانات" الثروة السمكية في العالم، بفضل التيارات البحرية التي تجعلها بيئة مثالية خصبة لتوالد أنواع نادرة من الرخويات والأسماك السطحية. الفضيحة الاستقصائية هنا تكمن في أن القوات المرابطة هناك تُستخدم عمليًا لمنع الصياد الموريتاني البسيط من الاقتراب من هذه الكنوز، بينما تُترك الساحة لشركات صيد دولية عملاقة واتفاقيات غامضة تستنزف هذه الثروات دون أن يدخل أوقية واحدة منها إلى الخزينة العامة. إن النظام يفرض "حصارًا سياديًا" على شعبه وصياديه تحت ذريعة الوضع الأمني الخاص، بينما يشرع الأبواب لاستغلال المنطقة كمناطق صيد هادئة ومؤمنة لصالح القوى الإقليمية والشركات الأجنبية، مما يمثل طعنة في خاصرة الأمن الغذائي والاقتصادي الموريتاني.
اغتيال حلم "داخلة نواذيبو" ووأد القطب الاقتصادي العالمي
تاريخيًا، كان الرهان على مشروع "داخلة نواذيبو" يتمحور حول خلق منطقة اقتصادية حرة تكون بوابة إفريقيا نحو العالم، وكانت الكويرة تمثل "الرأس" الاستراتيجي والموقع الطبيعي لبناء ميناء مياه عميقة يضاهي أكبر الموانئ العالمية. إلا أن سياسة التنازل والتشطير الجغرافي أدت إلى وأد هذا الحلم في مهده؛ فبدلاً من أن تظل "داخلة نواذيبو" كما كانت تاريخيًا قطبًا متكاملاً، تم قضم أطرافها وتحويلها إلى مدينة مخنوقة جغرافيا، تفقد العمق اللازم للتوسع الصناعي والتجاري. هذا التشطير لم يكن مجرد صدفة إدارية، بل كان اغتيالًا جغرافيًا مدروسًا لمنع قيام قطب اقتصادي موريتاني قوي ومستقل قد ينافس الموانئ المجاورة، مما أبقى الدولة الموريتانية حبيسة التبعية اللوجستية، وشاهدة على ضياع فرصة تاريخية للنهوض بسبب التفريط في الأرض والقرار.
الخلاصة:
إن الكويرة اليوم ليست مجرد أرض مهجورة، بل هي شاهد حي على مرحلة بيع القرار السيادي الموريتاني. إن من يفرط في الجغرافيا طواعية بعد أن رويت بدماء الشهداء، يؤكد أن هاجس البقاء في السلطة غلب دائمًا على مصلحة الوطن، مما يستوجب مراجعة شاملة لملف السيادة الضائعة قبل أن يتحول الارتهان إلى قدر محتوم يرهن مستقبل الأجيال القادمة.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى




