
إن العقل السياسي السائد محليا هو عقل جهوي قبلي شرائحي تسيطر عليه النرجسية الخبيثة، ما يحتم معالجته قبل اختباره بحوار وطني شامل، وإلا تحول الحوار المذكور إلى حوار طرشان فيما يتعلق بالقضايا العامة.
العقل الجيهوي القبلي الشرائحي المذكور مفعل منذ عهد الرئيس السابق معاوية وماكان في نظامه وحزبه (الجمهوري) من محاصصات على ذلك الأساس، مع نصيب معلوم لذباب محسوب على بعض التيارات التي تولت النباح البذيئ ضد خصومه.
وقتها تحول العمل السياسي إلى تملق وانتهازية. وتنافس المتنافسون في ذلك إلى حد صارت به مهاجمة الرئيس المؤسس المختار ولد داداه ليست إساءة لرمز من الرموز الوطنية وإنما إعلان ولاء للنظام القائم وبراء من المعارضة التي كان يقودها أخوه أحمد !!
والرئيس المختار هو من وقع اتفاقية استقلال كل البلاد عن فرنسا مانعا القبائل الراغبة في الاستقلال عنها وعن دولة موريتاتيا الوليدة من تحقيق ماتريد، ليكون بذلك هدفا مشروعا لحماة القبلية والجيهوية !!
والبرهان أننا نرى الجهوي والقبلي اليوم لا يستطيع استيعاب الأمور الوطنية الشاملة ولا يشعر بانتمائه الجامع ولا حتى بتغير مكانه الجغرافي إذا انتقل للعيش في منطقة أخرى.
فعقله السياسي مبرمج على محيط بشري ضيق ومنطقة جغرافية بعينها رغم سلبية ولائه للمكان المبرمج عليه والذي لم يسهم في تنمبته بشكل جدي يتناسب مع حجم التحديات والمخاطر المحدقة.
وبما أن الجهوية من هذا المنظور ماهي إلا تحالف لمجموعة قبائل تجاورت في حقبة تاريخية معينة فإن هدفها يتحول من تنمية مناطقها الأصلية إلى الاستئثار بمنافع الدولة -بغير وجه حق- على حساب بقية المواطنين، ثم تقسيم تلك المنافع على الأسس الهرمية داخل النظام التقليدي مستبعدة منهم في أسفل الهرم المذكور، مايؤدي بالطبقات العاملة (الشرائح) إلى البحث عن طريقة لتسجيل الحضور السياسي !!
في عهد الرئيس معاوية تم استبعاد التيارات الاسلامية من المعادلة دون استبعاد للتيارات السياسية الأخرى.
وقد ازدادت المتناقضات بعده واستفحلت الانتهازية، ما يجعلني أتساءل :
عن الثوابت التي يمكن أن يتأسس عليها الحوار الجديد ؟
وأتساءل أيضا عن الأهداف الموحدة الحقيقية التي يتفق عليها الجميع، بعيدا عن الشعارات والأغلفة التي تخفي خلفها وقاحته الأهداف الحقيقية ؟
وأتساء كذلك هل لا تزال هناك جائزة سياسية مرصودة لمن يهاجم خصوم النظام القبلي والجهوي، أم تم سحبها ؟
وأخيرا هل يمكن للتيارات ذات الخلفية الماركسية أن تشرف على حوار تتقابل فيه مع الجهوي والقبلي والشرائحي والاسلامي ؟
لابد من أسس نظرية للحوار مالم يكن الهدف :
1-إما توفير فرصة للمحاصصة على حساب الشعب،
2- وإما تفجير الضغائن والأحقاد وصب اللعنات وتبادل الاتهامات.
وقد حذر غيري من ذلك لما فيه من ضرر عاجل وآجل.
لا بد إذن من إصلاح العقل السياسي كأول خطوة، ثم تعديل قانون الأحزاب بما يتناسب مع طبيعتنا السياسية، ثم تعديل الدستور الموريتاني بشكل يخدم استقرار النظام السياسي.
والله أعلم
ذ/محمد سدينا ولد الشيخ/ محام




