ولد أبه: أيقونة "الماكيت" وفلسفة الخروج عن السرب

خميس, 02/04/2026 - 16:07

​قبل زمن الروابط والنقابات والتجمعات المادية، وفي وقتٍ كانت فيه الصحافة تجمع روافد الفكر والإبداع والنشر، لا تزال ذاكرتي تستحضر تلك الأيام الزاهية في بلاط صاحبة الجلالة؛ بصفتي صحافياً منذ تلك الحقبة ضمن طاقم أسبوعية "البديل الثالث"، وفي فضاء مدرسة "أقلام" الجامعة التي مثلت المرفأ الذي يلم شتاتنا بعد فراغنا من صحفنا.

​وفي ذلك الفضاء الذي احتضن كوكبة من المبدعين، عرفتُ سيدي محمد ولد أبه منذ نعومة أظافري؛ بصفته المدير الناشر لصحيفة "البديل الثالث" التي كانت حينها صرحاً ورقياً مهاباً يتربع على عرش السحب والانتشار في موريتانيا. عرفته رجلاً مميزاً، وقلماً ذهبياً يُحسب له ألف حساب، وشخصية جمعت بين عبقرية التصميم الطباعي (الماكيت) وبين العمق الفكري المستند إلى النظرية الثالثة التي لا تعرف المهادنة ولا المجاملة.

​في تلك الحقبة الذهبية، وفي مدرسة "أقلام"، كنتُ ألتقي بمشارب إعلامية كبرى وقامات سامقة مثل محمد علي ولد عبادي، وحبيب الله ولد أحمد، والمدير الناشر لـ "يومية الفجر" التاه ولد أحمد، والزميل إلياس محمد. لقد كانت تلك اللقاءات مزيجاً من التناقضات الفكرية التي صهرت موهبتي، وشكلت كوكبة فريدة لا تنتمي لجهة واحدة من الوطن، بل وحدها الهم الصحفي والإبداع فقط.

​وأتذكر جيداً كيف كان ولد أبه "مايسترو" الإخراج الذي تعتمد عليه كبريات الصحف؛ فكنتُ حين أعد تقريراً، أعمد إليه وأجلس بجانبه وهو ينسج ملامح الصفحة، فيقتنص لي عناوين غريبة وجذابة لا تزال محفورة في ذاكرتي حتى اليوم، بلمسته التي تجعل من الورقة نصاً ناطقاً قبل أن تُقرأ.

​وعندما كنتُ متدرباً في إذاعة موريتانيا، كان ولد أبه يلجُ إلى الإذاعة أيضاً، حيث كان حينها مهندساً إعلامياً بارعاً في التصميم والإخراج، تسبقه سمعته المهنية وحضوره القوي في كواليس صناعة الخبر.

​بين براعته التقنية في الإخراج وزاويته الشهيرة "خارج السرب"؛ ظل ولد أبه وفياً لمبادئه، محولاً "البديل الثالث" من حبر على ورق إلى صرح فكري رقمي يحتضن الأقلام الحرة، مؤكداً أن الكلمة الصادقة هي الرصاصة التي لا تخطئ هدفها أبداً.

​تحية إجلال لأولئك الذين أتذكرهم، رغم أن محنتي فرقت بيني وبينهم.

​بقلم: يحياوي  محمد الأمين ولد يحيى