من جمال عبّد الناصر إلى صدام حسين مروراً بايران العقلانية لا تنقذ أحدًا:عندما يكون الصراع صفريًا

سبت, 11/04/2026 - 12:44

 يتكرر، مع كل إعادة تقييم لتجارب المنطقة، صوتٌ يردد الفكرة ذاتها: لو كان جمال عبد الناصر أكثر “عقلانية”، أو لو أحسن صدام حسين قراءة موازين القوى، ولو أن حركات مثل حماس وحركة الجهاد الإسلامي وحزب الله فهمت “قواعد اللعبة” الدولية، لكانت النتائج مختلفة. يبدو هذا الطرح للوهلة الأولى منطقيًا، لكنه في جوهره يتجاهل طبيعة الصراع نفسه.

 المشكلة ليست — كما يُصوَّر — في غياب الذكاء السياسي أو ضعف التكتيك، بل في افتراض خاطئ بأن العلاقة مع الغرب يمكن إدارتها كخلاف تقليدي قابل للحل عبر التنازلات التدريجية. هذا الافتراض يتغافل عن أن الصراع، من منظور القوى الغربية، يتجاوز حدود السياسة اليومية إلى مستوى أعمق، حيث تُدار العلاقات وفق معادلة قاسية: إما الانخراط الكامل ضمن المنظومة، أو البقاء تحت ضغط دائم قد يصل إلى حد التدمير.

 الحرب الأخيرة على إيران تقدم مثالًا حيًا يعزز هذه الفكرة. فبعيدًا عن تقييم سياسات طهران أو حساباتها، فإن ما جرى يعكس أن الصدام لم يكن نتيجة خطأ تكتيكي واحد يمكن تفاديه، بل نتيجة مسار طويل من التوتر البنيوي. طوال سنوات، طُرحت فرضية أن “الاعتدال” أو تقديم تنازلات محسوبة قد يجنّب إيران المواجهة، لكن الوقائع تشير إلى أن هامش المناورة كان أضيق بكثير مما يُروَّج له.

هذا النمط ليس جديدًا، بل يتكرر بأشكال مختلفة. فالقضية لا تتعلق بشخصية قائد أو توجه حركة، بل بموقع المنطقة ككل ضمن نظام دولي لا يقبل الشراكة الندية بقدر ما يفرض شروطه. في هذا السياق، تكتسب التصريحات الأخيرة لـ دونالد ترامب أهمية خاصة. حديثه عن إمكانية الانسحاب من حلف شمال الأطلسي، وإشارته إلى قدرته على اتخاذ هذا القرار دون الرجوع إلى الكونغرس، لا يمكن قراءته كتصريح عابر، بل كمؤشر على تحولات أعمق في طريقة تموضع الولايات المتحدة عالميًا.

فكرة أن مثل هذا الانسحاب قد يفتح الباب لإعادة ترتيب الأولويات العسكرية والسياسية، بما في ذلك تقليص القيود التي تفرضها التحالفات التقليدية، تطرح تساؤلات جدية. ومن بين هذه التساؤلات ما يتعلق بموقع تركيا داخل هذه المعادلة، خصوصًا في ظل التوترات المتصاعدة، وبعد ما شهدته المنطقة من تصعيد مع إيران. ولا يمكن تجاهل أن هذا الطرح يتقاطع مع تصريحات صادرة عن مسؤولين إسرائيليين، بينهم بنيامين نتنياهو، ما يعزز الانطباع بأننا أمام نقاش يتجاوز حدود التحليل النظري.

 ويأتي ما طرحه جون كينت مدير المركز الوطني لمكافحة الارهاب التابع لوكالة المخابرات الأمريكية المستقيل مؤخراً ليضيف بعدًا آخر، إذ يشير إلى أن أي خطوة كبرى — كإعادة النظر في عضوية الناتو — قد تكون جزءًا من تصور استراتيجي أوسع، وليس مجرد قرار تكتيكي أو رد فعل سياسي، بل لفتح المجال لمواجهة اسرائيلية تركية قادمة. كل ذلك يعيدنا إلى النقطة الأساسية: الاعتقاد بأن “قليلًا من العقلانية” كان كفيلًا بتغيير مسار الأحداث، أو أن بعض الدول ستنجو لأنها “أكثر حكمة”، هو تبسيط مخلّ. فالمسألة لا تتعلق فقط بكيفية إدارة الصراع، بل بطبيعته وحدوده.

ما نشهده ليس سلسلة أخطاء منفصلة، بل ملامح مشروع أكبر يعيد تشكيل التوازنات وفق قواعد لا تترك هامشًا واسعًا للمناورة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من أخطأ؟ بل: هل كان هناك أصلًا خيار مختلف ضمن المعادلة القائمة؟

كاتب اردني

 ‏[email protected]